الشيخ الذى يؤذن فى المسجد القريب منا صوته ردىء ، أجش متحشرج ، كأنه طريق ضيق كثير المطبات والحفر ، أو محشورة فيه طوبة أو وقفت فيه زلطة ، ويبدو الأمر أكثر إزعاجاً فى صلاة الفجر ، حيث كل شىء مُبهج بديع ، السماء تبرق نجومها وتتلألأ ، ونسيم الهواء يداعب الوجوه ببرودة مُنعشة ، والنيل ينساب فى سكينة كأنه يشارك العابدين أذكارهم ، مهرجان من التسبيح الصامت يغمر الكون !!.
سألتهم أن يستبدلوه ، لكن الشيخ المؤذن متشبث يأبى التنازل ، اقترحت عليهم أن يؤذن فى كل الفروض ماعدا الفجر ، ففى الفروض الأخرى يتوافق صوته المُنفر مع أصوات باعة الطماطم وجامعى الروبابيكيا وعلب البلاستيك والحديد القديم ، الذين يصدعون رؤوسنا طوال النهار !!.
قلت لهم بأن النبى الخاتم صلى الله عليه وسلم اختار بلال مؤذناً دون كل الصحابة لحلاوة صوته ، وأنه كان يطلب من البراء بن مالك أن يقرأ القرآن بصوته ، فيتعجب البراء ويقول له : ( اأقرأه لك ، وعليك أنزل ؟! ) فيقول له النبى : ( لقد أعطيت مزمارا من مزامير داوود ) !!.
ورحم الله الشيخ محمد أبو يوسف ، مؤذن المسجد الكبير فى قريتنا زمان ، والذى كان يعتلى المئذنة قُبيّل الفجر بساعة ، ثم يبدأ فى انشاد ترانيمه وتواشيحه التى تأخذ بالألباب وتطرب لها الآذان ، وتشق عنان السماء ، ويتردد صداها فى الأفق البعيد المترامي ، ويعبق الهواء برائحة زكية ، وروح من السكينة والوداعة والانتشاء !!.
ان الله جميل ، يحب الجمال ، وقد تجلى هذا الجمال فى كل خلقه ، الأشجار والزهور والفراشات ، وفي الثريات التي تتدلي في سقف السماء ، وفى أصوات البلابل والعنادل والكروان ، وفى حنجرة الشيخ رفعت وأم كلثوم ، وشعائر الله أولى بأن نختار لاقامتها أجمل الأصوات ، فى تلاوة القرآن الكريم ، وفى رفع الآذان ، حتى لاننفر الناس من دين ، كل مافيه حسن وجميل !!.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
