د. إبراهيم خليل إبراهيم يكتب.. حديث التاريخ

قناة السويس مجرى مائي صناعي يصل البحر الأبيض المتوسط بالبحر الأحمر مخترقا بحيرة التمساح والبحيرات المرة ومكونا حاجزا مائيا بين أسيا وأفريقيا وبين شبه جزيرة سيناء وإقليم مصر وبدأت أعمال حفر القناة في الخامس والعشرين من ابريل 1859 بإمتياز ممنوح من والي مصر محمد سعيد باشا إلى الفرنسي فرديناند ديليسبس بموجب الفرمان تم الإتفاق علي منح الشركة الفرنسية امتياز لمدة 99 سنة وتقوم مصر بتوفير 90 % من العمال اللازمين للحفر وبدأ العمل بعدد 1700 عامل تم جلبهم بنظام السخرة قسراً من قراهم مكبلين بالأغلال حفاة .. شبه عراة وكان مركز التجمع في مدينة الزقازيق عاصمة محافظة الشرقية الآن ثم يساق البشر مشياً علي الأقدام من مدينة الزقازيق حتى الوصول إلى منطقة الحفر وهم مربوطون من أياديهم اليسرى بحبل طويل بعضهم ببعض .

عدد العمال الذين تم اقتيادهم للعمل بالسخرة في القناة وصل إلى  مليون عامل في وقت كان تعداد مصر كلها يزيد بالكاد على 4 مليون نسمة يعني تقريبا نصف رجال مصر شاركوا في الحفر ومات منهم ما يزيد عن 120 ألف عامل أثناء عملية الحفر لأنهم كانوا يحفرون بالفأس والغلأ فمات الكثير بفعل الإنهيارات الرملية أثناء الحفر أو بفعل الإهمال في علاج الأمراض التي تفشت بينهم مثل الكوليرا والجدري والسل نتيجة التكدس وعدم الرعاية الطبية بل إن الكثيرين منهم ماتوا جوعاً حيث كانت تقضي شروط العمل الوقوف في طوابير طويلة جدا انتظاراً للجراية ( وجبة الطعام ) ثم يدق جرس انتهاء حصة الإطعام والعودة إلى العمل قبل تمكن الكثير منهم من الحصول علي الجراية المخصصه له وبعضهم أيضا مات عطشًا بعد تراجع شركة القناة عن شق ترعة عذبة لتوفير المياة للعمال

حدثت تمردات منتظمة للعمال ومحاولات للهرب من العمل والعودة إلى  قراهم التي أختطفوا منها قهرًا وعلى سبيل المثال نذكر تمرد عمال قبلي وتم فتح النار على من حاول منهم المقاومة وعادوا إلى العمل بعد عقابهم على التجرؤ علي محاولة الهرب بعد اعتقالهم لفترة في معتقل أعد خصيصاً لعقاب العمال في منطقة عتبة الجسر وبعد 10 سنوات تم حفر قناة السويس بطول 165 كيلو متر وعرض 190 متر وعمق 17 متر وتم استخراج 74 مليون متر مكعب من الرمال عن طريق سواعد الرجال باستخدام الفأس والقفة فقط وبعد كل تلك التضحيات المهولة كان نصيب مصر من الأرباح 15٪ فقط وسرعان ما أسس فرديناند ديليسيبس الشركة العالمية لقناة السويس البحرية برأسمال 200 مليون فرنك فرنسي موزعة على 200 ألف سهم قيمة السهم الواحد 500 فرنك وطرحت أسهم الشركة في الأسواق الدولية في شهر نوفمبر عام 1858 واكتتب الفرنسيون بنحو 207,111 سهم ما يعادل نصف الأسهم فيما اكتتبت مصر بنحو 177,642 سهم وتوزعت باقي الأسهم المكتتبة في الأسواق الدولية وسرعان بعدها ما باع الخديوي إسماعيل حصة مصر من الأسهم تجنباً لخطر الإفلاس حيث عقدت الصفقة لتسديد دين حان موعد إستحقاقه وبيعت أسهم مصر لبنك روتشيلد بمبلغ 4 مليون جنية إسترليني وكان حفل الافتتاح أسطوري وأنفق الخديوي إسماعيل الأموال الباهظة .

ارتبطت قناة السويس بالوضع السياسي في مصر حيث كانت أحد التحفظات الأربعة في تصريح 28 فبراير 1922 وهو الخاص بتأمين مواصلات الإمبراطورية في مصر وفي معاهدة 1936 نص على أن يرخص للحكومة البريطانية باستبقاء قوات عسكرية لها بجوار القناة لضمان الدفاع على هذه القاعدة وفي المحادثات التي بدأت عام 1953 كان تنظيم جلاء القوات البريطانية عن قاعدة القناة محور هذه المفاوضات التي انتهت بالجلاء التام في 3 إبريل عام 1956 وفي 26 يوليو من نفس العام أعلن الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس مما أدى إلى العدوان الثلاثي على مصر في شهر نوفمبر عام 1956 وتم جلاء القوات المعتدية في 23 ديسمبر 1956 وعندما قامت إسرائيل بعدوانها الغادر على مصر يوم 5 يونيو عام 1967 تم إغلاق قناة السويس أمام الملاحة العالمية لعبت القناة دورا هاما في حرب أكتوبر 1973 – رمضان 1393 هـ وبعد إنتهاء المعارك وانتصار مصر تم تطهير قناة السويس وقام الرئيس السادات بطل الحرب بافتتاح القناة أمام الملاحة العالمية يوم 5 يونيو عام 1975 م . 

شاهد أيضاً

د. محمد علي يكتب.. عملة مصر الرقمية.. لسداد جزء من ديون مصر !!

تنوع المدخرات ومصادر القوة اصبح ضرورة ومن البديهيات في عصرنا الحالي ،و كتبت كثيرا عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *