تَقِفُ التَّكْنُولُوجِيَا البَشَرِيَّةُ عَاجِزَةً حِينَ تَتَحَرَّكُ سُنَنُ الطَّبِيعَةِ لِتُعِيدَ رَسْمَ المَوَازِينِ، فَالاعْتِمَادُ المَفْرُوطُ عَلَى المَنَاهِجِ المَادِّيَّةِ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلْمُعَادَلَاتِ البِيئِيَّةِ وَالأَخْلَاقِيَّةِ يَجْعَلُ أَعْتَى المَنْظُومَاتِ عُرْضَةً لِلِانْهِيَارِ فِي لَحْظَةٍ فَارِقَةٍ.
وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي تُسَاعِدُ فِيهِ السِّيَاسَاتُ الْحَاشِدَةُ عَلَى فَرْضِ الْهَيْمَنَةِ وَالتَّضْيِيقِ عَلَى شِرْيَانِ الْحَيَاةِ لِلْآخَرِينَ، تَأْتِي الْمُتَغَيِّرَاتُ الْإِلَهِيَّةُ فِي الْخَلْقِ لِتَكْشِفَ هَشَاشَةَ هَذَا الْكِيَانِ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ.
وَفِي مَشْهَدٍ يُجَسِّدُ عَجْزَ الْقُوَّةِ أَمَامَ طَبِيعَةِ الْخَلْقِ، تُوَاجِهُ الْمُنْشَآتُ الْمَائِيَّةُ لِلِاحْتِلَالِ الْإِسْرَائِيلِيِّ أَزْمَةً خَنَّاقَةً، حَيْثُ تَكْشِفُ التَّطَوُّرَاتُ الْبِيئِيَّةُ الْأَخِيرَةُ فِي الْمَنَاطِقِ السَّاحِلِيَّةِ لِلشَّرْقِ الْأَوْسَطِ عَنْ نُقْطَةِ ضَعْفٍ حَرِجَةٍ فِي اسْتِرَاتِيجِيَّاتِ الْأَمْنِ الْمَائِيِّ الْمُعْتَمِدَةِ كُلِّيًّا عَلَى التَّحْلِيَةِ الْمَفْرُوضَةِ.
فَقَدْ أَدَّى الِانْتِشَارُ الْمُفَاجِئُ لِلطَّحَالِبِ الْمِيكْرُوسْكُوبِيَّةِ الْقَادِمَةِ مِنْ دِلْتَا نَهْرِ النِّيلِ، وَارْتِفَاعُ مُسْتَوَيَاتِ الْعَكَارَةِ فِي شَرْقِ الْبَحْرِ الْأَبْيَضِ الْمُتَوَسِّطِ، إِلَى تَعْطِيلٍ شِبْهِ كَامِلٍ لِخَمْسِ مَحَطَّاتٍ رَئِيسِيَّةٍ لِتَحْلِيَةِ الْمِيَاهِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى انْخِفَاضٍ حَادٍّ فِي إِمْدَادَاتِ الْمِيَاهِ الْمَكْفُولَةِ لِلْقِطَاعَيْنِ الْمَنْزِلِيِّ وَالزِّرَاعِيِّ.
وَلَمْ تَعُدْ هَذِهِ الْأَزْمَةُ حَدَثًا عَابِرًا، بَلْ تَحَوَّلَتْ إِلَى مَعْرَكَةٍ مَفْتُوحَةٍ أَعْلَنَ فِيهَا الْمَسْؤُولُونَ عَجْزَهُمُ التَّامَّ عَنِ الْمُوَاجَهَةِ.
فِي ظِلِّ عَجْزِ التِّقْنِيَّاتِ الْمُسْتَخْدَمَةِ عَنْ مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَكَّدَ وَزِيرُ الطَّاقَةِ الإِسْرَائِيلِيُّ «إِيلِي كُوهِين» أَنَّ هَذِهِ الْأَزْمَةَ بَعِيدَةٌ عَنِ النِّهَايَةِ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ أَثْبَتَتِ الطَّحَالِبُ قُدْرَةً اسْتِثْنَائِيَّةً عَلَى تَجَاوُزِ أَنْظِمَةِ التَّرْشِيحِ وَالتَّنْقِيَةِ فِي مَحَطَّاتِ التَّحْلِيَةِ.
فَقَدِ الْتَصَقَتْ هَذِهِ الْكَائِنَاتُ الدَّقِيقَةُ بِأَغْشِيَةِ التَّحْلِيَةِ الرَّئِيسِيَّةِ، مِمَّا أَدَّى إِلَى هُبُوطٍ حَادٍّ فِي كَفَاءَتِهَا وَتَعَطُّلِهَا، مَعَ تَقْدِيرَاتٍ تُشِيرُ إِلَى أَنَّ تَكْلِفَةَ الصِّيَانَةِ وَاسْتِبْدَالِ الْأَجْزَاءِ الْمُتَضَرِّرَةِ سَتَتَجَاوَزُ عَشَرَاتِ الْمَلَايِينِ مِنَ الشَّوَاقِلِ.
- انْهِيَارُ الْإِمْدَادَاتِ الزِّرَاعِيَّةِ: أَدَّى تَوَقُّفُ الْمَحَطَّاتِ -مِثْلَ «عَسْقَلَانَ» وَ«أَشْدُودَ» وَ«شُورَكَ»- إِلَى تَرَاجُعِ حِصَصِ الْمِيَاهِ الْمُوَجَّهَةِ لِلْمَنَاطِقِ الزِّرَاعِيَّةِ فِي الْجَنُوبِ بِنِسْبَةٍ تَتَجَاوَزُ الشَّرَائِحَ الْحَرِجَةَ، مِمَّا يُهَدِّدُ بِتَلَفِ آلَافِ الدُّونُمَاتِ مِنَ الْمَحَاصِيلِ الْأَسَاسِيَّةِ وَتَكَبُّدِ خَسَائِرَ مَالِيَّةٍ مُمْتَدَّةٍ، فَضْلًا عَنْ ضَرْبِ سَلَاسِلِ الْإِمْدَادِ الْغِذَائِيِّ الْمَحَلِّيَّةِ فِي مَقَاتِلِهَا.
- المُعَالَجَاتُ الكِيمِيَائِيَّةُ وَالمَخَاطِرُ الصِّحِّيَّةُ (مُحَاوَلَاتٌ كِيمِيَائِيَّةٌ بَائِسَةٌ): شَهِدَتِ الْمُحَاوَلَاتُ السَّرِيعَةُ لِاحْتِوَاءِ الظَّاهِرَةِ أَنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّفْ عِنْدَ أَرْوَقَةِ الْمَحَطَّاتِ، بَلِ امْتَدَّتْ إِلَى عُرْضِ الْبَحْرِ؛ حَيْثُ أَقَامَتْ سُلْطَةُ الْمِيَاهِ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ تَجْرِبَةً قُبَالَةَ سَوَاحِلِ عَسْقَلَانَ الْمُحْتَلَّةِ، إِذْ رَشَّتِ الطَّائِرَاتُ كُوكْتِيلَاتٍ وَخَلِيطًا مِنَ الْمَوَادِّ الكِيمِيَائِيَّةِ السَّامَّةِ -تَتَضَمَّنُ تَرْكِيزَاتٍ عَالِيَةً مِنْ كَبْرِيتَاتِ النُّحَاسِ وَالْأَلُومِنْيُومِ- عَلَى مَسَاحَةٍ تَمْتَدُّ لِنَحْوِ تِسْعَةِ كِيلُومِتْرَاتٍ فِي الْبَحْرِ.
وَرَغْمَ هَذِهِ الْمُحَاوَلَاتِ الْعَنِيفَةِ، أَكَّدَتْ مَصَادِرُ مُطَّلِعَةٌ أَنَّ النَّتَائِجَ جَاءَتْ خَائِبَةً وَغَيْرَ مُبَشِّرَةٍ، لِتُثْبِتَ الطَّحَالِبُ أَنَّهَا لَيْسَتْ هَدَفًا يُمْكِنُ إِخْضَاعُهُ بِالْقُنْبُلَةِ أَوِ الصَّارُوخِ، مِمَّا دَفَعَ السُّلُطَاتِ الصِّحِّيَّةَ إِلَى إِصْدَارِ حَظْرٍ عَلَى الصَّيْدِ وَالْمَأْكُولَاتِ الْبَحْرِيَّةِ لِمَخَاوِفَ تَتَعَلَّقُ بِالتَّسَمُّمِ الْكَبِدِيِّ وَتَرَاكُمِ الْمَوَادِّ السَّامَّةِ فِي السِّلْسِلَةِ الْغِذَائِيَّةِ الْبَحْرِيَّةِ. - إِشْكَالِيَّةُ الاعْتِمَادِ عَلَى الْمَصْدَرِ الْوَاحِدِ: أَثْبَتَتْ هَذِهِ الْكَارِثَةُ الْبِيئِيَّةُ أَنَّ الِاعْتِمَادَ الْمُفْرِطَ عَلَى مَصَادِرَ سَاحِلِيَّةٍ مُحَدَّدَةٍ لِلْمِيَاهِ يَجْعَلُ الْمُنْشَآتِ الْمَنَاطِقِيَّةَ عُرْضَةً لِلشَّلَلِ مَعَ أَيِّ تَغَيُّرٍ طَبِيعِيٍّ أَوْ تَلَوُّثٍ بَحَرِيٍّ طَارِئٍ، فَالْإِفْرَاطُ فِي الْأَثَرِ التِّكْنُولُوجِيِّ دُونَ وُجُودِ بَدَائِلَ طَبِيعِيَّةٍ مُسْتَدَامَةٍ يَجْعَلُ الْمَنْظُومَةَ بِأَكْمَلِهَا تَقِفُ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ الِانْهِيَارِ.
وَتَكْمُنُ الْمَأْسَاةُ الْكُبْرَى فِي طَبِيعَةِ الْأَنْظِمَةِ الْمَغْلُوقَةِ الَّتِي تُدَارُ بِعَقْلِيَّةٍ تَتَجَاهَلُ الْمُحِيطَ، حَيْثُ يُؤَدِّي ضَخُّ الْمُنْصَرِفَاتِ الصِّنَاعِيَّةِ وَالزِّيَادَةُ الْحَرَارِيَّةُ النَّاجِمَةُ عَنْ مَحَطَّاتِ التَّحْلِيَةِ نَفْسِهَا إِلَى خَلْقِ بِيئَةٍ مِثَالِيَّةٍ لِتَكَاثُرِ الطَّحَالِبِ الضَّارَّةِ («الْمَدِّ الْأَحْمَرِ»).
هَذَا التَّغْذِيَةُ الرَّاجِعَةُ الْمَعْكُوسَةُ تَجْعَلُ التِّكْنُولُوجِيَا سَبَبًا فِي تَسْرِيعِ حَتْفِهَا بِنَفْسِهَا؛ إِذْ تُصْبِحُ أَدَوَاتُ الْحَلِّ الْمَادِّيِّ هِيَ ذَاتُهَا أَدَوَاتُ التَّدْمِيرِ الذَّاتِيِّ عِنْدَمَا تَصْطَدِمُ بِتَوَازُنَاتِ الطَّبِيعَةِ الَّتِي لَا تَرْحَمُ الْجَهْلَ بِقَوَانِينِهَا.
عَلَاوَةً عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ خِيَارَ المَنَاهِجِ الكِيمِيَائِيَّةِ العَنِيفَةِ لِمُوَاجَهَةِ الظَّوَاهِرِ الطَّبِيعِيَّةِ لَا يُؤَدِّي سِوَى إِلَى تَفَاقُمِ المُشْكِلَةِ؛ فَالمَوَادُّ المُرَسَّبَةُ تَسْتَقِرُّ فِي القَاعِ لِتَقْضِيَ عَلَى التَّنَوُّعِ البِيُولُوجِيِّ المَحَلِّيِّ، مِمَّا يُلْغِي القُدْرَةَ الذَّاتِيَّةَ لِلْبَحْرِ عَلَى التَّنْقِيَةِ وَالتَّعَافِي، وَيَضَعُ المِنْطَقَةَ أَمَامَ دَوْرَةٍ مُغْلَقَةٍ مِنَ التَّلَوُّثِ المُمْتَدِّ الَّذِي يَصْعُبُ التَّنَبُّؤُ بِنِهَايَتِهِ.
وَأَمَامَ هَذَا الْعَجْزِ، بَدَأَتِ الْمَحَطَّاتُ فِي تَخْزِينِ كَمِّيَّاتٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْأَغْشِيَةِ الْبَدِيلَةِ، تَمْهِيدًا لِإِجْرَاءِ عَمَلِيَّاتِ اسْتِبْدَالٍ مُتَكَرِّرَةٍ، وَأَقَرَّتِ الصَّحَافَةُ الْعِبْرِيَّةُ بِضَرُورَةِ التَّأَهُّبِ لِمَرْحَلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ النَّقْصِ وَالْأَعْطَالِ.
تُظْهِرُ هَذِهِ الظَّاهِرَةُ أَنَّ الْمُعَادَلَاتِ الْبِيئِيَّةَ وَالطَّبِيعِيَّةَ لَا تَخْضَعُ لِلْقُوَّةِ التَّكْنُولُوجِيَّةِ أَوِ الْحِسَابَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الضَّيِّقَةِ؛ فَبَيْنَمَا تُحَاوِلُ أَنْظِمَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَرْضَ هَيْمَنَتِهَا عَبْرَ أَدَوَاتِ التَّجْوِيعِ أَوِ تَدْمِيرِ الْغِطَاءِ النَّبَاتِيِّ فِي الْجِوَارِ الْإِقْلِيمِيِّ، تَأْتِي الْمُتَغَيِّرَاتُ الطَّبِيعِيَّةُ لِتُعِيدَ التَّذْكِيرَ بِهَشَاشَةِ الْمَنْظُومَاتِ الْحَيَوِيَّةِ، وَضَرُورَةِ صِيَانَةِ الْمَوَارِدِ الْمَائِيَّةِ، وَالْوِقَايَةِ مِنَ الْآثَارِ الْعَكْسِيَّةِ لِلتَّدَخُّلِ الْبَشَرِيِّ الْجَائِرِ.
إِنَّ مَا شَهِدَتْهُ الْمَحَطَّاتُ السَّاحِلِيَّةُ لَيْسَ مُجَرَّدَ خَلَلٍ فَنِّيٍّ أَوْ أَزْمَةٍ بِيئِيَّةٍ عَابِرَةٍ، بَلْ هُوَ دَرْسٌ بَلِيغٌ يُؤَكِّدُ أَنَّ مَنْ يُحَاوِلُ الْعَبَثَ بِمُقَدَّرَاتِ الشُّعُوبِ وَسُنَنِ الْخَلْقِ، سَتَرْتَدُّ عَلَيْهِ آثَارُ صَنِيعِهِ؛ فَالسِّحْرُ غَالِبًا مَا يَنْقَلِبُ عَلَى السَّاحِرِ.
وَتَبْقَى الْعِبْرَةُ فِي أَنَّ الْقُوَّةَ الْمَادِّيَّةَ لَا تَمْنَحُ أَمْنًا مُطْلَقًا، فِيمَا يَقِفُ الْعَالَمُ شَاهِدًا عَلَى جُنُودٍ خَفِيَّةٍ سَخَّرَهَا اللَّهُ لِتُعَكِّرَ صَفْوَ مَنْ عَاثُوا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا، حَيْثُ يَتَجَلَّى قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ}، وَأَنَّ الْمَظْلُومَ لَهُ رَبٌّ لَا يَغْفُلُ وَلَا يَنْسَى، يَقْلِبُ الْمَوَازِينَ وَيَنْصُرُ الْحَقَّ بِمَا لَا يَخْطُرُ عَلَى بَالِ بَشَرٍ. - الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
