سيد الرشيدي يكتب.. مريلةٌ صفراء وخطواتٌ على التراب: من ذكريات الماضي



في خريف عام 1975م من القرن الماضي، لم يكن الجلوس على مقاعد «الأول الابتدائي» مجرد مرحلةٍ عمرية تُطوى في سجلات التعليم الرسمية، بل كان تدشيناً لعبورٍ وجودي نادراً ما يُنسى؛ عبوراً من طفولة الفطرة الأولى في نجوع الصعيد إلى صرامة المؤسسة ولغتها الانضباطية الأكاديمية.
أتذكر تلك الأيام بمناسبة افتتاح المدارس، وكيف جافى الكرى جفني وطار النوم من عيني لثلاث ليالٍ متتابعات؛ فرحةً وسعادةً وشغفاً بانتسابٍ وشيك لمحراب المعرفة. كنت أعد الساعات والأيام بأحلام طفلٍ يحسب أن المدرسة ليست سوى ساحة جديدة للعب والمرح والسعادة، جاهلاً أن الخوف والتعب يكمنان خلف أعتابها الأولى.
طريق «عرب الرشايدة»: مسار المجد والتراب:
كانت تفصل بين قريتنا الصغيرة جداً «عرب الرشايدة» والقرية المجاورة التي تضم المدرسة الابتدائية مسافة تُقارب ثلاثة كيلومترات. مسارٌ ترابي واعر وغير ممهد، نطؤه ونقطعه صباحاً ومساءً على أقدامنا الصغيرة؛ إذ لم تكن هناك أي وسائل مواصلات أو سيارات تنقل الطلاب.
وعلى جنبات ذلك المسار الممتد، كانت تتجلى البساطة الصعيدية والروح الجمعية للأهل في أبهى صورها. كانت الخالة «حميدة» -تلك المرأة العجوز الطيبة في قريتنا- تقف على الجسر في الصباح الباكر لتعوذنا من الشيطان والحسد، وتصيح بصوتها الحنون: “بسم الله عليكم يا غاليين.. شدوا حيلكم ربنا يحرسكم”. وعلى مقربةٍ منها، كانت الجدات مثل «سلوم» و«عيدة» يرشن الملح على أقدامنا وخطواتنا يرجون البركة ويقولون: “ربي يحفظكم”. كانت دعواتهن ورشات الملح بمثابة زادٍ روحي يرافقنا في طريقنا الشاق.
صدمة اليوم الأول ومرارة التجربة
حينما وطأت قدمي المدرسة لأول مرة، ارتديا «المريلة الصفراء» التي كانت الزي الموحد لطلاب المرحلة الابتدائية حينها. ولكن فرحة المريلة وسعادة الانتظار سرعان ما تبددت أمام هيبة المكان؛ فقد وجدت نفسي خائفاً، مرعوباً، مهاباً، أرتعش من الهول.
تم حَبْسُنا داخل الفصل من الساعة الثامنة صباحاً وحتى موعد «الفسحة»، ثم واصلنا الجلوس والانضباط الصارم حتى الساعة الثانية بعد الظهر. غاب اللعب ومُحيت الأوهام، وحل محلها القراءة والجلوس المستمر طوال النهار. سرعان ما تملك مني التعب الجسدي، والعطش الشديد، والجوع القاتل، لأكتشف أن المدرسة ليست لعباً كما ظننت، بل جهداً وثباتاً. عدتُ يومها إلى البيت خائباً أذري الدموع، وأقسمت يميناً مغلظة ألا أعود إليها مرة ثانية.
زاد الطريق وثقافة العصامية:
على الرغم من قسوة اليوم الأول، مضت الأيام وتأقلمنا مع الرحلة اليومية. كنا عندما نخرج للمدرسة نلعب في الطريق صباحاً ومساءً، نتسلق نخل الصعيد وشجر السدر المتناثر على الطريق، ولطالما ابتلت ملابسنا وتوسخت بالطين والتراب في أيام الشتاء.
كان للتنظيم الاجتماعي الصغير هيبته وقواعده؛ فكان أولاد المرحلة الابتدائية يمشون مع بعضهم البعض في مجموعات، بينما يمشي أولاد المرحلة الإعدادية في مجموعات مستقلة. أما عن زادنا اليومي، فكان بسيطاً وقانعاً: يتألف من «نصف رغيف شمسي» محشوٍ بالمش أو اللبن، مع مصروفٍ يبلغ «قرشاً صاغاً» واحداً لا غير! وعلى الرغم من القلة، كانت الحياة جميلة، مفعمة بالنقاء والبساطة، وكان احترامنا وتوقيرنا لمعلمينا هيبةً وقاراً لا يُضاهى، وكان حرصنا وخوفنا على ممتلكات مدرستنا أشبه بالخوف على منازلنا.

العبور الأزهرية وظلمة الليل:
عندما انقضت سنوات الابتدائية ودخلت «المرحلة الإعدادية الأزهرية»، اتسعت دائرة المشهد والجهد. كنت أرى طلاباً يأتون من بلاد وقرى أبعد منا كثيراً، يركبون «الركائب» من الدواب للوصول إلى المدرسة، بل إن المدرسين أنفسهم كانوا يمتلكون ركائبهم الخاصة للقدوم بها. لم تكن هناك سيارة واحدة أو وسيلة مواصلات حديثة تنقل أحداً.
وفوق ذلك كله، لم تكن الكهرباء قد دخلت بيوتنا بعد، فكنا نُذاكر دروسنا بالنهار فقط ونستغل ساعات الضياء، لأن الليل كان مظلماً لا يرحم. ومع كل هذه الصعاب وقلة الإمكانيات، كانت الحياة بسيطة وثرية بجوهرها؛ فتعلم الكثيرون منا تعليماً حقيقياً صادقاً، وتخرجوا وصاروا أصحاب مراكز رفيعة وطيبة في أجهزة الدولة ومؤسساتها.
بين ذاكرة الأمس ورفاهية اليوم:
اليوم، عندما أعود إلى قريني الصغيرة «عرب الرشايدة» وقد كبر بنا العمر، تقودني أقدامي لاسترجاع تلك الخطوات الأولى، فتمر الذكريات أمام عيني كشريطٍ سينمائي. ثم أذهب إلى القرية المجاورة التي تعلمت فيها، فأشعر بفيضٍ من الفخر والانتماء والحب لكل شبرٍ فيها.
إن المقارنة بين ذلك الجيل وجيل اليوم تفرض علينا وقفة تأملية؛ فالآن أصبحت المدارس على بعد خطوات من البيوت، والسيارات متوفرة، والتقنية متقدمة، والكهرباء والوسائل الحديثة في كل مكان. لكن على الرغم من كل هذا التقدم المادي، يبقى السؤال قائمًا: هل يمكن لهذه الرفاهية أن تصنع ذلك الجيل الصلب الذي صقلته قسوة الظروف؟ لقد رحل زمان «المريلة الصفراء» ورش الملح، لكن آثارهما ستظل محفورة في وجدان من تعلموا حقاً، وعلموا أن المعرفة لا تُنال إلا على جسرٍ من التعب والصبر.

شاهد أيضاً

د. محمد علي يكتب.. عملة مصر الرقمية.. لسداد جزء من ديون مصر !!

تنوع المدخرات ومصادر القوة اصبح ضرورة ومن البديهيات في عصرنا الحالي ،و كتبت كثيرا عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *