هدى حجاجي تكتب.. الحلقة التاسعة والعشرون: حين نتعلم السباحة في الألم

كانت محاضرة أخرى من محاضرات الدكتور ممدوح، أستاذ الفلسفة.

كان يقف أمامنا في القاعة كما لو أنه لا يلقي محاضرة، بل يفتح نافذة واسعة على حياة أخرى. لم يكن يتحدث عن الفلسفة باعتبارها تاريخًا من الأسماء والأفكار، وإنما كان يجعلنا نشعر أن كل فيلسوف كتب جزءًا من حياته، وأن كل فكرة عظيمة خرجت في الأصل من جرحٍ ما، أو سؤال ظل صاحبه عاجزًا عن دفنه.

وضعت قلمي فوق الورق، ورفعت عيني إليه.

قال:

«حين أنظر إلى الماضي، إلى السنوات التي أضعتها عبثًا وخطأ، ينزف قلبي ألمًا. الحياة هبة… كل دقيقة فيها يمكن أن تكون حياة أبدية من السعادة، فقط لو يعرف الأحياء هذا. الآن ستتغير حياتي… الآن سأبدأ من جديد.»

ساد الصمت.

ثم تابع:

«هذه ليست مجرد عبارة عن الندم، وإنما هي لحظة وعي. الإنسان قد يقضي نصف عمره وهو يتعامل مع الزمن وكأنه شيء لا ينفد، ثم يكتشف فجأة أن أكثر ما أضاعه لم يكن المال ولا الفرص، وإنما نفسه.»

كنت أكتب، لكن شيئًا في داخلي كان يتوقف عند كلمة واحدة:

السنوات.

السنوات التي لا تعود.

السنوات التي نظن أننا نعيشها، ثم نكتشف بعد فوات الأوان أننا كنا فقط نمرّ من خلالها.

قال الدكتور ممدوح:

«هذه رسالة دوستويفسكي إلى أخيه أثناء مكوثه في سجون سيبيريا.»

ومن آخر القاعة جاء صوت شاب، لم يكن ينتظر دوره في الحديث:

«رسالته هنا عبارة عن دعابة… تصور لنا حلم رجل مضحك من عناوينه.»

التفتت الرؤوس إلى مصدر الصوت.

ابتسم الدكتور ممدوح، ثم قال:

«ربما. ولكن لا تتعاملوا مع الدعابة على أنها نقيض الألم. أحيانًا تكون الدعابة آخر وسيلة يمتلكها الإنسان كي لا ينهار. دوستويفسكي عرف السجن والموت القريب والخوف، ولذلك فإن حديثه عن البداية الجديدة ليس كلامًا عابرًا. حين يشعر الإنسان أن حياته يمكن أن تنتهي في أي لحظة، يبدأ في رؤية الدقيقة الواحدة باعتبارها عمرًا كاملًا.»

لم أعرف لماذا شعرت أن الكلام موجه إليّ.

ربما لأنني كنت واحدة من أولئك الذين ظلوا يؤجلون حياتهم.

نقول:

سأبدأ غدًا.

حين تهدأ الظروف.

حين تنتهي المسؤوليات.

حين يعود الغائب.

حين يعتذر من أخطأ.

حين يصبح القلب قادرًا على الحب مرة أخرى.

ثم يأتي الغد، فنكتشف أننا وضعنا حياتنا كلها في غرفة الانتظار.

عاد الدكتور إلى الحديث:

«السؤال ليس: ماذا فعل بنا الماضي؟ السؤال الأصعب هو: ماذا سنفعل بما تبقى لنا؟»

كانت الجملة كافية لأن تفتح في داخلي بابًا قديمًا.

فأنا لم أكن أخاف الماضي بقدر ما كنت أخاف أن أصبح أسيرته.

كنت أعرف أنني أستطيع أن أتذكر، لكنني لم أكن أعرف كيف أتوقف عن العيش في الذاكرة.

وفي اللحظة التي ظننت فيها أن المحاضرة تتحدث عن الأمل وحده، انتقل الدكتور إلى وجه آخر من الحياة.

قال:

«لكن الإنسان ليس دائمًا قادرًا على أن يبدأ من جديد. أحيانًا يكون الألم أعمق من فكرة البداية نفسها.»

ثم كتب اسمًا على السبورة:

سوزان سونتاج.

وقرأ لنا:

«أنا عائمة في محيط من ألم، لست عائمة… بل سابحة، بشكل أخرق، فظ، لكنني لست غارقة… أسكن داخل ألم عميق.»

لم أكتب شيئًا.

لأول مرة منذ بداية المحاضرة بقي قلمي ساكنًا.

كنت أستمع.

كان في العبارة شيء يشبهني.

ليس لأنني دهستني شاحنة، وإنما لأن بعض الآلام تفعل بنا ما تفعله الحوادث الكبيرة؛ تتركنا في منتصف الطريق، نرى العالم يمر من حولنا، ولا يأتي أحد.

الناس يظنون أننا بخير لأننا واقفون.

ولا يعرفون أن الوقوف أحيانًا ليس دليلًا على النجاة.

قد يكون مجرد شكل آخر من أشكال المقاومة.

قال الدكتور ممدوح:

«لاحظوا الفرق بين الغرق والسباحة. الغريق فقد قدرته على المقاومة، أما من يسبح، حتى لو كانت سباحته عرجاء ومؤلمة، فهو لا يزال يقاوم. وهذا هو الإنسان.»

رفعت عيني إليه.

للمرة الأولى شعرت أن الألم ليس دائمًا علامة هزيمة.

ربما كان الألم نفسه دليلًا على أن شيئًا فينا ما زال حيًا.

شيء يرفض أن يغرق.

شيء يقول:

أنا هنا.

ما زلت هنا.

رغم كل شيء.

ثم عاد الدكتور إلى دوستويفسكي:

«الحياة لا تمنحنا فرصة ثانية بالمعنى الذي نتخيله. لا تعيد السنوات، ولا تمحو ما حدث. لكنها تمنحنا شيئًا آخر أكثر أهمية: القدرة على أن نمنح ما تبقى معنى جديدًا.»

توقفت عند هذه الجملة طويلًا.

معنى جديدًا…

ربما لم يكن المطلوب أن أستعيد الماضي.

ولا أن أستعيد الرجل الذي رحل.

ولا أن أستعيد أبي من أحلامي.

ولا أن أستعيد سنوات عشتها وأنا أظن أن الحياة ستبدأ في وقت آخر.

ربما كانت البداية الحقيقية أن أقبل بأن كل ذلك حدث، ثم أمضي.

لكن هل يستطيع القلب أن يمضي حين تكون بعض الأشياء قد حفرت أسماءها داخله؟

لم أجد الإجابة.

وربما لم يكن مطلوبًا مني أن أجدها في تلك اللحظة.

رن جرس نهاية المحاضرة.

تحركت المقاعد، وبدأ الطلاب يجمعون أوراقهم وكتبهم، وارتفعت أصواتهم من جديد بعد ساعتين من الصمت والأسئلة.

أما أنا فبقيت جالسة.

نظرت إلى الصفحة أمامي.

كان عليها سطر واحد فقط كتبته طوال المحاضرة:

«الذين يسكنون الألم لا يغرقون بالضرورة… بعضهم يتعلم السباحة.»

رفعت رأسي نحو الباب.

كان الدكتور ممدوح قد خرج.

وبقيت أنا في القاعة، أحمل الماضي في قلبي، ودفترًا بين يدي، وسؤالًا لم أعرف كيف أكتبه.

كتبت في آخر الصفحة:

إذا كانت الحياة هبة…
فلماذا نحتاج إلى أن نخسر الكثير حتى نتعلم كيف نعيش؟

أغلقت دفتري.

لكن السؤال لم يُغلق.

بعض الأسئلة لا تنتهي بانتهاء المحاضرة.

تبقى معنا…

تمشي معنا إلى الطريق، وتجلس إلى جوارنا في المساء، وربما تستيقظ قبلنا في الصباح.

وربما كانت الكتابة هي طريقتي الوحيدة في أن أتعلم السباحة، دون أن أدّعي يومًا أنني لم أغرق.

شاهد أيضاً

هُدى الجلاّب تكتب.. كينونة تعرفني

كينونة تعرفني..يكفيني اختلافيعن بعض مراياوبُعدي عنْ كينونة تعرفنيلحن الأسى يُزنرُ مفارقوجِيد الياسمين يقبع كقتيلغربة روح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *