لم تكن مَدافعُ «نابليون بونابرت» حين قَصفت شواطئَ الإسكندرية وأسوارَ القاهرة في صيف عام 1798م مجرد أدواتٍ لترويع الأجساد وهدم القلاع العسكرية، بل كانت غطاءً عسكرياً لزلزالٍ اجتماعي أشدّ خطورةً وأعمق أثراً؛ زلزالٍ استهدف الحصن الأخير للأمة: قيمها، وحياءها، وبنيتها الاجتماعية المحافظة.
لقد أدرك المستعمر الغربي برهافةِ مكره أن القوة العسكرية وحدها لا تكفل استقراراً ولا تُقيم احتلالاً دائم السيادة، وأن السيطرة على العقول والقلوب واستمالة العادات هي الضمان الأكيد لتفكيك المجتمعات من الداخل.
غزوةُ الأخلاق.. رصدُ الجبرتي الصادم
في كتابه المرجعي الخالد «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، يدوّن المؤرخ الكبير عبد الرحمن الجبرتي تلك اللحظات الفاصلة في تاريخ مصر بمرارة الواعي ودقة الشاهد. لم يكتفِ الجبرتي بتوثيق المعارك الحربية، بل رصد بتفصيلٍ دقيق ذلك “الانزلاق الاجتماعي” الذي أحدثه التواجد الفرنسي.
رأى الجبرتي أن أولى هزائم المجتمع لم تكن في أرض «إمبابة»، بل في شوارع القاهرة وأسواقها عندما بدأت الثقافة الوافدة تطبق نموذجها العاري عن الحشمة. يقول الجبرتي واصفاً أسلوب الفرنسيين ونسائهم:
«وَمِنْهَا صُنُوعُ النِّسَاءِ وَتَبَرُّجُهُنَّ وَسُفُورُهُنَّ؛ فَإِنَّ نِسَاءَ الْفَرَنْسِيسِ كُنَّ يَمْشِينَ فِي الأَسْوَاقِ وَالشَّوَارِعِ كاشِفَاتِ الْوُجُوهِ وَالأَعْنَاقِ، مُتَبَرِّجَاتٍ بِالأَزْيَاءِ الْغَرِيبَةِ، وَيَطُوفُ بِهِنَّ الرِّجَالُ، وَيُظْهِرْنَ السُّفُورَ وَالْخُلَاعَةَ…»
لم تكن هذه المشاهد مجرد سلوكياتٍ فردية للغزاة، بل كانت إغراءً مقصوداً ونموذجاً يُعرَض علانية ليُحتذى، فكانت النتيجة الانخداع والانبهار الذي حذر منه المؤرخ.
سقوط الحياء.. حين اتُّبِعَ النموذج الوافد:
لم يلبث هذا الاستعراض الشارعي أن أثمر اختراقاً في أوساط بعض النساء اللاتي بهرهن بريق الثقافة الفرنسية ومظاهر حريتها التائهة، فبدأن يقلدن النساء الفرنسيات في ملبسهن وسلوكهن، وهو ما سجله الجبرتي بأسى شديد في قوله:
«وَمِنْهَا انْمِخَاطُ بَعْضِ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُمْ، وَسُقُوطُ الْحَيَاءِ وَالْحِشْمَةِ، فَصَارَتِ الْإِنَاثُ يُخَالِطْنَهُمْ فِي الْأَزْيَاءِ وَالْمَشْيِ فِي الْأَزْيَاءِ وَالأَسْوَاقِ، وَتَبَدَّلَتِ الأَحْوَالُ، وَصَارَ ذَلِكَ أَمْرًا ظَاهِرًا يُقْبَضُ مِنْهُ كُلُّ ذِي دِينٍ وَحَمِيَّةٍ…»
ويزيد الجبرتي الصورة وضوحاً حين يبين كيف انعكس ذلك على منظومة القيم والأسرة القاهرية:
«وَخَرَّجَ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ عَنْ حُدُودِ الْحَيَاءِ، وَصَارَ الْبَعْضُ مِنْهُنَّ يَتَقَلَّدْنَ بِهِمْ فِي الْمَلْبَسِ وَالْحَرَكَةِ، وَكَانَ هَذَا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي أَفْسَدَتِ الأَخْلَاقَ وَزَادَتِ الْبَلَاءَ عَلَى أَهْلِ مِصْرَ…»
إن قراءة الجبرتي هنا لا تقف عند حدود الانزعاج الفقهي أو التقليدي، بل تتجاوزه إلى إدراكٍ استراتيجي بأن تفكيك المنظومة الأخلاقية وحل عقد الحياء كانا بداية الهزيمة الحضارية ومفتاحاً لتمكين المحتل من السيطرة المقبولة.
من الحملة الفرنسية إلى مدرسة “حرية المرأة” الاستعمارية
إن ما حدث إبان الحملة الفرنسية لم يكن حادثاً عارضاً انتهى بخروج جلاء جنود نابليون؛ بل كان البذرة الأولى والمخطط الأولي لما تلاه من حملات فكرية وتنصيرية وتعليمية طوال القرن التاسع عشر والقرن العشرين.
صناعة النخبة المهزومة:
ترك الفرنسيون خلفهم بذور الانبهار، والتي رعتها لاحقاً المؤسسات التعليمية والإرساليات الأجنبية، لنشأة طبقة من الذين تم تربيتهم فكرياً وثقافياً في أحضان الرؤية الغربية.
شعار “حرية المرأة” وتجريدها من الهوية:
أُعيد تدوير مفهوم “حرية المرأة” ليتحول من إعطائها حقوقها الشرعية والإنسانية المكفولة إلى تركيزٍ سطحي ومستمر على تجريدها من حجابها وحشمتها والتخلّي عن أزيائها التراثية والدينية، واعتبار التبرج والسفور شرطين لازقين بـ “المدنية” و”التقدم”.
التنصير الناعم والتبعية الثقافية:
توازت دعوات التخلي عن الحجاب مع الحملات الفكرية والتنصيرية التي استهدفت البنية العقائدية للمجتمع، واستخدمت المرأة كجسرٍ أساسي لتغيير ثقافة الأجيال القادمة، فالمرأة هي مربية الأجيال، ومتى ما تغيرت مرجعيتها الأخلاقية تغيرت مرجعية المجتمع بأكمله.
الدرس المستفاد من التاريخ:
إن السفور والتبرج وسوء الخلق لم تكن يوماً مجرد “حرية شخصية” في سياق التاريخ الاستعماري، بل كانت أدوات جرى استخدامها واختبارها على أرض مصر منذ يوم دخول الفرنسيين. وما بين نصوص الجبرتي التي وثقت التحلل الأول، وبين الدعوات المعاصرة للتخلي عن قيم الأمة، تظل الحقيقة التاريخية قائمة: أن الاستعمار عندما يعجز عن كسر الأمة بالمدافع، يبدأ بكسر حياء نسائها وتفكيك أخلاق مجتمعاتها.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
