د. عامر عيد يكتب.. التغطية الإعلامية بين السعودية والإمارات .. العلاقات المتنافسة الدعوم المتناقضة والتعاون المستقبلي

من المرجح أن تحافظ السعودية والإمارات على قدر أكبر من الانضباط في رسائلهما الإعلامية العامة؛ وهذا من شأنه أن يُسهّل تنسيقًا أكبر في القضايا التي تتلاقى فيها المصالح السعودية والإماراتية، بما في ذلك حرية الملاحة والأمن البحري؛ مع ذلك، تتباين المصالح في البحر الأحمر وإسرائيل واليمن، لذا فإن التعاون في هذه المجالات غير مرجح؛ وسيتم تشديد الرقابة على وسائل الإعلام للحد من التعليقات التي تُبرز الخلافات؛ أكدت منشورات وسائل التواصل الاجتماعي بتاريخ مؤخرا على متانة العلاقات السعودية الإماراتية، وسلطت الضوء على التاريخ والمصالح المشتركة بين البلدين؛ ومن الواضح أن الرياض وأبوظبي تسعيان لتغيير الخطاب الإعلامي؛ وقد نُشرت الرسائل المتعلقة بـ X في نفس التوقيت، ودعت كلتاهما وسائل الإعلام إلى تجنب المساس بالعلاقات الثنائية.

إعادة المعايرة وعلاقات المنافسة والتعاون

قبل ذلك بوقت قصير، تم تداول صورة تظهر وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان آل سعود ونائب رئيس دولة الإمارات منصور بن زايد آل نهيان معاً في عرض واضح للمودة؛ يشير هذا التسلسل إلى جهد منسق لاحتواء النقاش العام حول الاختلافات وإظهار الوحدة، واستعادة تفضيل إدارة الخلافات بشكل خاص؛ لم تحل الرياض وأبو ظبي الخلافات التي دفعت إلى ضرورة إظهار الوحدة، ومن غير المرجح أن تفعل ذلك؛ بدلاً من ذلك، خلصت الحكومتان إلى أن السماح لهذه الخلافات بالظهور علنًا لا يخدم مصالح أي من البلدين؛ وقد أبرزت الحرب مع إيران، وتجدد تهديدات الحوثيين اليمنيين، ونشاط الجماعات الموالية لإيران، مدى هشاشة دول الخليج العربي أمام الأزمات الإقليمية الخارجة عن سيطرتها المباشرة؛ في ظل هذه الظروف، تُتيح الانقسامات السعودية الإماراتية الواضحة فرصًا لإيران والحوثيين وغيرهم من الأطراف لاستغلالها، مما يُعقّد الدبلوماسية الخليجية ويزيد الضغط على الحكومتين.

لذا، فإن إظهار الوحدة يخدم غرضًا عمليًا، بينما يسعى الطرفان إلى إدارة خلافاتهما في الخفاء؛ في جميع الأحوال، لم يمنع التنافس السعودي الإماراتي الحكومتين من التعاون حيثما تتلاقى مصالحهما؛ فقد تعاونتا في قضايا دبلوماسية وأمنية مختارة، وانضمتا مؤخراً إلى مصر وقطر والأردن وتركيا وباكستان وإندونيسيا في إصدار بيان مشترك بشأن غزة في 16 أغسطس 2026؛ ولذلك، يُفهم هذا التعاون على أنه علاقة تتعايش فيها المنافسة والتعاون؛ حسابات المخاطر ينبع اختلاف المقاربات الأمنية، جزئيا، من تفاوت طبيعة تعرض البلدين للاضطرابات الإقليمية؛ فقد واجه كلاهما هجمات استهدفت البنية التحتية للطاقة وحركة الملاحة وطرق التجارة، لكنهما لا يواجهان المخاطر نفسها بالقدر ذاته؛ تستطيع الإمارات تصدير النفط عبر الفجيرة خارج مضيق هرمز، وإن كانت المنشآت هناك تظل عرضة لهجمات إيرانية.

أما السعودية فتستطيع تجاوز المضيق عبر نقل النفط الخام بواسطة خط أنابيب الشرق–الغرب إلى ينبع على البحر الأحمر؛ غير أن ينبع والبنية التحتية المرتبطة بها تعرضتا لهجمات من الحوثيين؛ وتساعد هذه الاختلافات الملموسة في طبيعة المخاطر التي يتعرض لها البلدان في تفسير سبب عدم توصل الرياض وأبوظبي دائما إلى الاستنتاجات نفسها بشأن الأمن البحري، أو الشراكات الإقليمية، أو الإجراءات المطلوبة لحماية مصالحهما؛ تنافس في الجوار فضلا عن ذلك، توضح الأوضاع في اليمن مدى ابتعاد السعودية والإمارات عن الشراكة الوثيقة التي ميزت علاقتهما خلال جزء كبير من أواخر العقد الثاني من القرن الحالي؛ وظهر أخطر أوجه المواجهة هناك بعدما تحولت الخلافات الممتدة بشأن الشركاء السياسيين والأمنيين إلى صدام مباشر، عقب التقدم الذي أحرزه “المجلس الانتقالي الجنوبي” المدعوم من الإمارات في ديسمبر 2025؛ وشنت السعودية لاحقا ضربة على ما قالت إنها شحنة معدات عسكرية إماراتية كانت متجهة إلى المجلس الانتقالي الجنوبي.

المنافسة التجارية ودعوم متناقضة

وبعد ذلك، سحبت الإمارات قواتها من اليمن، فيما انسحب المجلس الانتقالي من المواقع التي كان قد سيطر عليها، ما أدى إلى احتواء الأزمة من دون حل الخلاف الأساسي الكامن وراءها؛ وتدهورت العلاقات بصورة أكبر مع تبادل المعلقين ووسائل الإعلام السعودية والإماراتية انتقادات علنية على نحو متزايد، وصولا إلى قرار الإمارات في مارس الماضي حجب حسابات “العربية” على منصة إكس؛ ولا يقتصر التباين بين البلدين على اليمن؛ فقد دعمت السعودية والإمارات أطرافا مختلفة في السودان، كما دخلتا في منافسة متزايدة على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، بما في ذلك الصومال وأرض الصومال؛ وكثيرا ما فضلت الرياض وأبوظبي شركاء مختلفين، سواء كانوا دولا أو جماعات مسلحة من غير الدول، وهو ما يعكس اختلاف مقاربتيهما للنفوذ والأمن الإقليميين؛ أظهر انسحاب الإمارات من منظمة “أوبك” استعدادها لانتهاج مسار مستقل، حتى وإن جاء ذلك على حساب زيادة الاحتكاك مع الرياض.

وفي وقت قريب نسبيا، ستصبح الدولتان منافستين بشكل مباشر على الحصة السوقية في سوق النفط؛ ولا تقتصر المنافسة الاقتصادية على النفط؛ فجهود السعودية لتطوير الرياض باعتبارها مركزا إقليميا للأعمال، والتوسع في قطاعات الطيران والسياحة والترفيه والخدمات اللوجستية، بدأت تشكل تحديا للقطاعات التي احتفظت فيها الإمارات طويلا بموقع ريادي؛ وتتبنى الحكومتان برامج لتنويع الاقتصاد تعتمد على استقطاب كثير من الشركات والمستثمرين والسائحين والعمالة الماهرة أنفسهم؛ ومن غير المرجح أن يؤدي تحسن العلاقات السياسية إلى تغيير هذه الضغوط التنافسية؛ وتوضح التطورات الأخيرة أن خلافات مهمة لا تزال قائمة، رغم الجهود الرامية إلى إظهار قدر أكبر من الوحدة.

التحالف البحري والتعاون المستقبلي

فالإمارات لم تنضم إلى التحالف البحري الذي تقوده السعودية، رغم اهتمامها بالأمن البحري؛ كما أفادت شركات بوجود تأخيرات تؤثر على التحويلات من السعودية إلى حسابات في الإمارات منذ مايو الماضي، في حين شهدت التجارة العابرة للحدود اضطرابات أيضا؛ وتنفي السلطات السعودية فرض أي قيود تستهدف دولة بعينها؛ التوقعات ازدادت دوافع التعاون، لكن كل دولة لا تزال مصممة على السعي وراء مصالحها الخاصة؛ ولذلك، فإن التدخل الذي جرى في يوليو الماضي، والذي عكس إدراكا بأن النقاش العلني الذي يسلط الضوء على الخلافات لا يحقق فائدة ويمكن أن يأتي بنتائج عكسية، يُفهم على نحو أفضل باعتباره محاولة لإدارة التنافس، وليس بداية لمسعى لإعادة الشراكة الوثيقة التي ميزت العلاقات في أواخر العقد الثاني من القرن الحالي؛ فقد أصبح البلدان أكثر حزما في الشؤون الإقليمية وأكثر استعدادا لاتباع مسارات مستقلة.

وسيتوقف التعاون مستقبلا على قدرتهما على فصل مجالات الخلاف بعضها عن بعض، مع الحفاظ على التعاون في الملفات التي تتلاقى فيها المصالح؛ وباتت الرياض وأبوظبي تعملان، على نحو متزايد، باعتبارهما قوتين إقليميتين مستقلتين، تتقاطع مصالحهما في بعض المجالات وتتنافس في مجالات أخرى؛ أما ما تغير، فهو استعدادهما لإدارة هذه الخلافات بقدر أكبر من الحذر وإبقائها بعيدا عن المجال العام.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

سيد الرشيدي يكتب.. كيف بدأ السُّقوط الأخلاقيّ مع أوّلِ مَدافعِ «نابليون»؟

لم تكن مَدافعُ «نابليون بونابرت» حين قَصفت شواطئَ الإسكندرية وأسوارَ القاهرة في صيف عام 1798م …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *