من رواية امرأة من زمن الحلم
الفصل: حين اختارت الحياة بدلًا مني
كنت أظن أن المستقبل ينتظرني كما أنتظره، وأنني سأختار طريقي كما أريد، لكن الحياة لم تكن بهذه البساطة. بدأت مرحلة جديدة تتشكل حولي، ودخلت الأسرة بتفاصيلها الثقيلة إلى أحلامي الصغيرة، وأصبحت كلمة «المستقبل» تعني أشياء كثيرة غير الكتابة. كان عليّ أن أفكر في الدراسة، والبيت، والأسرة، وما يراه الآخرون مناسبًا لي، بينما كنت في داخلي أريد أن أظل تلك الفتاة التي تمسك قلمها وتكتب دون أن تستأذن أحدًا. بدأت أشعر للمرة الأولى أن هناك فرقًا بين أن نحلم بحياتنا وأن نعيشها كما تُفرض علينا. لم يكن أحد يسألني دائمًا عما أريد، بل كان كثيرون يتحدثون عما ينبغي أن أريده. وفي خضم ذلك كله، وجدت نفسي أعود إلى دفتري القديم. قرأت الصفحات التي كتبتها في المدرسة، فضحكت أحيانًا وبكيت أحيانًا أخرى. توقفت عند جملة قديمة كتبتها وأنا لا أعرف شيئًا عن الحياة: «أريد أن أكون نفسي.» شعرت يومها أن الجملة أكبر من عمري. أغلقت الدفتر، ثم فتحته مرة أخرى. كنت أعرف أن الطريق لن يكون سهلًا، لكنني لم أكن أعرف إلى أي حد يمكن للإنسان أن يدفع ثمن اختيارات لم يخترها أصلًا. أما فتحي، فقد أصبح بعيدًا عن تفاصيل يومي، لكن أثره ظل موجودًا في مكان لا أستطيع تحديده. لم أعد أراه، ولم أعد أعرف أخباره، ومع ذلك كنت أحيانًا أتذكر جملة قالها لي، أو موقفًا صغيرًا حدث بيننا، ثم أعود إلى حياتي. لم أكن أعرف أن بعض الأشخاص يغيبون من أمام أعيننا كي يبدأ حضورهم الحقيقي في الذاكرة. كنت أعتقد أنني أودع مرحلة المدرسة، بينما كنت في الحقيقة أودع جزءًا من نفسي؛ الفتاة التي كانت تؤمن أن العالم يمكن تغييره بالكلمة، وأن الطريق ملك لمن يملك الشجاعة كي يمشي فيه. ولم أكن أعرف أن المرأة التي ستصبحها هالة ستظل تبحث عن تلك الفتاة سنوات طويلة، كلما شعرت أن الحياة اختارت بدلًا منها.
يتبع…..
لم يكن فتحي مجرد رجل عادي غزا قلبي واحتل مشاعري، بل كان شيئًا أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. كان صديقًا وفيًّا، أو هكذا كنت أراه في تلك المرحلة، الرجل الذي آخذ برأيه في كل صغيرة وكبيرة، وأعود إليه كلما التبس عليّ أمر أو وقفت أمام سؤال لا أعرف كيف أجيب عنه.
حتى بعدما رفضته، وأعلنت عليه تمردي، لم يتغير معي كما توقعت. كان يستقبل كل ذلك بمنتهى العقلانية، وبحرص شديد على مصلحتي، وكأن رفضي له لم يكن سببًا كافيًا لكي يتخلى عن دوره في حياتي.
وبعد أن التحقت بالمعهد، شعرت بفراغ كبير.
لم يكن فراغ المكان فقط، ولا فراغ المدرسة التي اعتدت تفاصيلها ووجوهها، وإنما كان فراغًا تركه هو دون أن أدرك في البداية حجمه.
كان يعرف كيف يملأ ذلك الفراغ ببراعة غريبة؛ بضحكته، بكلامه، بملاحظاته، وحتى بمعاركه التي لطالما أرهقتني وأشعلت داخلي ألف سؤال.
شيئًا فشيئًا أصبحت أكتب عنه أكثر مما أكتب عن نفسي.
كنت أحكي له كل ما يمر بي في يومي، تفاصيل صغيرة ربما لا تعني شيئًا للآخرين، لكنها كانت تعني لي الكثير. أحكي له عن مخاوفي، عن أحلامي، عن الأشياء التي تغضبني، وعن الأشياء التي أخاف منها ولا أجد لها اسمًا.
حتى المهندس تيسير، الذي تقدم لخطبتي ورفضته قبل أن يصل إلى البيت، كان يعرف حكايته.
كان من نجع حمادي.
كنت أضحك وأنا أقول لفتحي:
ـ ابتليت بالغرباء.
فيضحك ويقول:
ـ وأنا منهم.
كنت أضحك، لكنه كان يعرف أن وراء كلماتي شيئًا آخر.
ربما كنت أبحث عن سبب أرفض به كل من يأتي إلى حياتي، وربما كنت، دون أن أعترف لنفسي، أقارن الجميع بذلك الرجل الذي أصبح وجوده جزءًا من يومي، حتى عندما لا يكون موجودًا.
كنت أتمنى أحيانًا لو أعود إلى يوم واحد فقط من أيام الأربعاء.
الأربعاء…
ذلك اليوم الذي كان يعرفه هو جيدًا.
كان يومًا اصطدمت فيه به لأول مرة، ويوم ميلادي، ويومًا آخر قال فيه، في لحظة لم أنسها:
«أحببت تلك المشاغبة… وتلك المتمردة… وتلك التي تقول لا أكثر مما تقول نعم.»
لم أعرف وقتها ماذا أفعل بهذه الكلمات.
ضحكت ربما، أو تمردت كعادتي، أو أخفيت ارتباكي خلف جملة ساخرة.
لكن بعض الكلمات لا تنتهي لحظة سماعها.
تبقى في مكان ما داخلنا، ثم تعود بعد سنوات، حين نكون أكثر قدرة على فهم ما لم نفهمه في وقته.
واليوم، كلما عدت بذاكرتي إلى ذلك الأربعاء، أشعر أنني لم أكن أعيش يومًا عاديًا من أيام العمر.
كنت أعيش يومًا سيترك أثره في كل ما سيأتي بعده.
وفي الطريق إليك…
كنت أتمنى لو بقيت معي، حتى لو كان ثمن بقائه أن أخسر العالم كله.
فبعض الناس لا نعرف قيمتهم ونحن نعيش تفاصيلهم، وإنما نعرفها حين يصبح وجودهم ذكرى، وحين لا يعود بإمكاننا أن نمد أيدينا لنستعيد لحظة واحدة مما مضى.
وربما لهذا ظل السؤال يطاردني:
لماذا نمنح الحب بعد الفقد؟
ولماذا نضع الورد على أبواب الرحيل؟
ولماذا لا نعرف قيمة الدعاء إلا حين تضيق بنا الحياة؟
ربما لأن الإنسان لا يتعلم معنى الأشياء إلا بعدما يفقد القدرة على الاحتفاظ بها.
وربما لأن بعض القلوب لا تستيقظ إلا متأخرة…
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
