لا أستطيع أن أخفي حيرتي وقلة حيلتي في اتباع مذهب مُحدد أو نَهج مُعين أو طريقة مناسبة في كيفية التعامل مع الناس هذه الأيام !!.
فقد تربيت في مُجتمع هادئ ، طيب ساكن ، يسوده السلام والوئام ، وتغلفه الرحمة والمودة ، مُجتمع ناعم مثل غناء السواقي ، كريم مثل شجرة توت عامرة تلقي بثمارها علي قارعة الطريق ، يمتلء بالخير مثل سنابل القمح ، طاهر مثل اللبن لحظة تدفقه من ضرع الماشية ، باسم مثل انبلاج الفجر وإشراقة الصباح !!.
قُلت ، وأقول ، بأن تلك النُسخة من المصريين التي ترتع الآن علي أرض المحروسة ، هي من أسوأ النُسخ علي مرّ التاريخ والعصور !!.
سألت أخي المهندس الزراعي الكبير – يرحمه الله ، ذات يوم ، عن الفرق بين تلوث الفواكه والخضروات والمحاصيل زمان ، وتلوثها الآن ، قال بأن زمان كان التلوث مُجرد طبقة من تراب أو طين يعلق بسطح الثمرة ، تحتاج فقط أن تمسحها بيديك ، أو تغسلها بقليل من الماء ، ثم تأكلها وقد أزيل ماعَلَق بها من تلوث خارجي !!.
أما الآن فالتلوث في أنسجة الثمرة ، في خلاياها ، في تكوينها الجيني ، يبدأ معها منذ أن تكون بذرة ويظل يتغلغل في ثناياها حتي تُصبح ثمرة ، ولذا يستحيل التخلص من هذا التلوث ، ولا مفر من ضرره الذي يضرب الجسد كله ، وربما يقضي عليه !!.
وأحسب أن هذا النوع من التلوث قد أصاب الناس أيضاً في زماننا ، وليست ثمار الفواكه والخضروات فقط !!.
فإذا اتبعت التسامح والتساهل والعفو مذهباً ، داهمتك الناس بمكرها وتربصها والإيغال في قلة أدبها ، فإذا ماقررت أن تُعاملهم بالمِثل ، فشلت ؛ فليس هذا من طبعك ولا من خُلقك !!.
وإذا قررت العطاء بلا حدود ، دون النظر إلى حالة مَن يطلب منك ، واجهك جشعهم وابتزازهم لك ، فإذا ماتراجعت ، إتهموك بالشح والبخل ، وانصرفوا عنك ، وانفضوا من حولك ، وهجروك ، بل ولعنوك !!.
صدقوني – سادتي – هي الحيرة فعلا ، وكأنني صالح في ثمود ، أو كأن القوم عاد وأنا هود ، أقف في ميدان فسيح أو في مُفترق طرق ، لا أدري أيّاً منها أسلكه ، وماعاد العمر يحتمل التجريب !!.
إنها الحيرة ، مُنتهي الحيرة !!.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
