جدل كثير واحاديث اكثر عن الهوية وضرورة الحفاظ عليها والاهتمام بإقامة القواعد وحماية الأركان والحفاظ على خطوط الدفاع وحوائط الصد حتى لا تنهار الحصون الوطنية والأخلاقية وغيرها.. وهذا في مجمله جيد ومهم لكنه لا يمنع من اتخاذ خطوات عملية على الارض حتى لا نكون اشبه بمن يحرثون في البحر..الخطوات العملية تقتضي المشاركة من الجميع كل فيما يخصه وما يجب عليه القيام به.. حتى لا تبني وغيرك يهدم..
في قضية الهوية والحفاظ على اللغة العربية المسئولية ليست قاصرة على جهة واحدة ولا قطاع دون قطاع ..فعندما يتحدث وزير التعليم عن مواجهة ما تتعرض له اللغة العربية من امتهان وانتقاص لمكانتها والموقف في المدارس الدولية..فهو لايتحمل كل المسئولية ولكن هناك شركاء أساسيين أيضا لابد من دورهم لتكتمل حلقة الحفاظ والحماية للغة العربية ..البيت والمسجد والمحليات التي تشوه بشكل مقيت أي شيء له علاقة باللغة العربية.. نتحدث تحديدا عن أسماء المحلات والشوارع والميادين وغيرها ..
وزارات الصناعة والتجارة الثقافة ليست ببعيد فمسئوليتها اشد خطرا فمعظم ان لم يكن التراخيص لكل ما يباع ويشترى باللغات الأخرى أسماء المنتجات وحتى أسماء سلاسل الامداد التي يفترض انها تخاطب العامة تحمل أسماء انجليزية وفرنسية..حتى شركات الاتصالات الوطنية والخاصة اسماءها اجنبية وكان أصحابها قد عجزوا ان يجدوا في العربية ما يلبي رغباتهم..انهم يرتكبون جناية على اللغة الام وخيانة في حق الوطن مع سبق الإصرار والترصد.
للأسف الشديد يتواطأ مع هؤلاء جهات رقابية تسمح بمخالفة القانون الذي لا يسمح باستخدام أسماء اجنبية الا في حدود وبطريقة تضع اللغة الام في المكان الأبرز..الامر الذي أوصل شوارعنا بأسماء محلاتها وشركاتها العامة والخاصة الى حالة فوضى بشعة لا تجدها في أي مدينة في العالم..
اذا كنا نصفق لوزير التعليم وقراراته لاعادة الاعتبار للغة العربية ومواد الهوية في المدارس الدولية فاننا سنصفق له اكثر حين يعيد لها الاعتبار في المدارس الخاصة والتجريبية أيضا..
هناك كارثة وخطر كامن وقابع في بداية السلم التعليمي في رياض الأطفال او ال كي جي..وهو ما اعتبره بوابة الفساد والافساد الحقيقية للسان العربي والسبب الأول في اعوجاج السنة الطلاب..والمهازل التي نراها ونسمعها من مسئولين كبار غير قادرين على النطق الصحيح حتى بين من يعتلون منصات البلاغة جزء رئيسي من معالمها او مقوماتها..
اذا اردنا حقيقة اصلاحا ودعما لاركان الهوية الوطنية فان غض الطرف عن رياض الأطفال جريمة ترقى للخيانة سواء كنا ندري او لا ندري ..
جريمة يشارك فيها الاب والام وافراد الاسرة حين يعطوا الاولوية لتعليم الحروف والكلمات الأجنبية على العربية وتبذل الاسر الغالي والنفيس لتعلم أولادها ذلك وهي لا تدري بالخطر الكامن الذي يدمر أشياء كثيرة في عقلية ونفسية الطفل.. كثيرون يفرحون وتتملكهم السعادة حين يسمعون الطفل ينطق الإنجليزي او الفرنسي..واذا لم ينطق صحيحا يرسلونه الى مدرس خصوصي ليعلمه النطق الصحيح للغة الأجنبية..ويستنكفون فعل ذلك ليعلمه العربية الصحيحة..
أيضا نلاحظ ان طريقة تعليم الأطفال لها تاثيرها الكبير خاصة مع الوسائل التوضيحية او اللجوء الى الأغاني فإذا اعتمدت معلمة الكي جي على الأغاني والألعاب والقصص باللغة العربية الفصحى فإن الـ KG يصبح منبعاً رائعاً لتقويم لسان الطفل.أما إذا تم إهمالها لصالح “عقدة الخواجة” أو تم تدريسها بطرق الحفظ والتلقين ينفر الطفل منها ويفضل اللغة الأجنبية الأسهل والأكثر جاذبية.
كل الدراسات التربوية تحذر من خطر تعليم الأطفال اللغة الأجنبية قبل اتقان اللغة الام وارتفعت وتيرة الخطر مع ما ساد المجتمع من توجهات واعتقادات بان تعليم اللغات في الصغر افضل وان اتقانها ضمانة اكيدة للحصول على فرص العمل الممكنة..وما تبع ذلك من توجه نحو التعليم الخاص والاجنبي..وزاد الامر مع التوسع الكبير في المدارس التجريبية.. حتى باتت تهدد العام ..
في مدارس اللغات التجريبية والخاصة تتداخل اللغات..يبدأ الطفل في عمر 4 سنوات بدراسة الحروف العربية والإنجليزية في نفس الوقت بالتوازي مما يسبب خلطاً لغوياً حيث يتقن الطفل نطق الأرقام أو الألوان بالإنجليزية أسرع من العربية.وتبدا مرحلة الصراع بين هويتين يزيدها اشتعالا ما يحدث داخل المدارس الخاصة وثقافة الميل لإعطاء بريق واهتمام أكبر للغات الأجنبية على حساب العربية مما يقلل الشغف بها.
الامر اشد خطورة في المدارس الدولية حيث يكون التأثير سلبياً وتظهر اثاره في تأخر نمو اللغة الأم نظراً لأن لغة الخطاب والألعاب والتعليم بالكامل تكون بالإنجليزية أو الفرنسية فينشأ الطفل ولديه ضعف شديد في مخارج الحروف العربية وقدرات التعبير الشفوي بها.
مؤخرا تنبهت وزارة التعليم الى هذا الخطر وصدرت قرارات ملزمة للمدارس الدولية بضرورة تدريس العربية ومواد الهوية القومية وجعلها مواد نجاح ورسوب مع عمل اختبارات تقييمية مستمرة للطلاب.
دراسات كثيرة صادرة عن منظمة اليونسكو حول أهمية الدراسة باللغة الأم تكشف أنه في حالة دراسة لغتين في العملية التعلمية يجب ان تكون الغلبة والأساس للغة الأم.وتؤكد التقارير والدراسات بشكل قاطع أن التعليم باللغة الأم في السنوات الأولى للدراسة هو العامل الأساسي لضمان جودة التعلم، وحماية الهوية الثقافية للطفل وتجنب الفجوات المعرفية الكبيرة مستقبلاً. وجاء في تقريرها التوجيهي العالمي الشامل بعنوان “اللغات مهمة: توجيهات عالمية بشأن التعليم متعدد اللغات” ان التدريس باللغة الأم يحقق نتائج مهمة:ارتفاع استيعاب القراءة بنسبة 30% بنهاية المرحلة الابتدائية مقارنة بغيرهم.وعلى عكس المعتقد الشائع أثبتت أبحاث اليونسكو أن التأسيس القوي والقراءة بلغة الأم أولاً ينمي القدرات المعرفية للطفل مما يسهل عليه لاحقاً اكتساب لغة ثانية وثالثة وبناء روابط لغوية أسرعوتحقيق نتائج ومخرجات تعلم أفضل بكثير في الرياضيات والعلوم كما يعزز من احترام الطفل لذاته وثقته بنفسه..
امام كل هذا وضعت اليونسكو توصيتها الذهبية بتطبيق نموذج التعليم متعدد اللغات القائم على اللغة الأم :في السنوات الأولى(الكي جي والابتدائي) يجب أن تكون اللغة الأم هي لغة التدريس الأساسية والحصرية للمواد وضرورة استمرار التعليم بها من 6 إلى 8 سنوات على الأقل (طوال المرحلة الابتدائية) قبل الانتقال الكامل للغات أخرى..
الباب السحري لحماية لغتنا يبدا من الكي جي..ترى ماذا نحن فاعلون؟ّ!
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
