حسام عبد الغفار يكتب.. التبرع المتكافئ.. حين تتبادل العائلات الحياة


في عيادات زراعة الكلى مشهد يتكرر كثيرًا. مريض يحتاج إلى كلية، وإلى جواره قريب مستعد أن يتبرع له بإحدى كليتيه، ثم تأتي نتيجة التحاليل لتقول إن فصيلة الدم أو الأنسجة غير متوافقة. يعود المتبرع بعطائه كما جاء، ويعود المريض إلى جلسات الغسيل. التبرع المتكافئ يعالج هذا الموقف بفكرة بسيطة: تتبادل أسرتان المتبرعين. يتبرع قريب المريض الأول للمريض الثاني، ويتبرع قريب الثاني للأول، فيحصل كل مريض على كلية متوافقة ويبقى العطاء داخل دائرة الأسرة معنويًا وإن تبدّل المستفيد.
‎وقد يبدو الأمر في ظاهره اتفاقًا بين عائلتين، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى منظومة صحية كاملة تعمل بتناغم. نقطة البداية سجل وطني إلكتروني موحد يضم أزواج “المريض والمتبرع” غير المتوافقين، وتديره جهة الحوكمة المختصة بزراعة الأعضاء. هذا السجل يجعل البحث عن التوافق مسألة حسابية دقيقة بدلًا من أن يتوقف على الصدفة والمعارف الشخصية.
‎ويأتي بعد السجل دور معامل التوافق النسيجي المعتمدة، لأن قرار التبادل كله يقوم على نتائجها. ثم تأتي مراكز الزراعة، التي يجب أن تُجرى فيها العمليتان في توقيت متزامن أو متقارب، حتى لا يتراجع أحد الطرفين بعد أن يحصل مريضه على الكلية.
‎ويبقى البعد الأخلاقي والرقابي هو صمام الأمان. يجب أن تتأكد لجان مستقلة من أن كل تبرع يتم بإرادة حرة، وأن التبادل عطاء متبادل لا يدخل فيه مقابل مادي، وأن السجل لا يمكن أن يتحول إلى باب خلفي للاتجار بالأعضاء. الشفافية في المعايير وتوثيق كل خطوة يحميان المريض والمتبرع ويحفظان ثقة المجتمع في المنظومة.
ولا تكتمل الصورة بدون التمويل والاستدامة. يمكن أن تتحمل منظومة التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة تكلفة الفحوص والعمليات ومتابعة المتبرعين، وأن توفر آليات الشراء الموحد أدوية تثبيط المناعة بانتظام يضمن استمرار نجاح الزراعة لسنوات. ومن زاوية اقتصادية بحتة، الكلية المزروعة أقل تكلفة على الدولة من سنوات طويلة من الغسيل الكلوي، فضلًا عن أنها تعيد للمريض قدرته على العمل والحياة.
أما التدريب وبناء القدرات فيضمنان أن تنتشر هذه الخبرة في المحافظات كلها ولا تظل حكرًا على مراكز قليلة.
التبرع المتكافئ في جوهره اختبار لقدرة مؤسساتنا على أن تعمل كفريق واحد. نجاحه لا يعتمد على مشرط الجراح وحده، بل على سجل منضبط، ومعمل دقيق، ورقابة أمينة، وتمويل مستدام. عندها يتحول العطاء الذي كان مهددًا بالضياع إلى حياة جديدة لمريضين في وقت واحد.

شاهد أيضاً

د. إيهاب الطاهر يكتب.. أزمة جديدة تواجه المتقدمين للبورد المصرى

وردت لى العديد من شكاوى الأطباء الحاصلين على الماجستير، والراغبين فى دراسة البورد المصرى “حركة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *