د. عامر عيد يكتب.. وجوب الردع التركي على إسرائيل .. إيران تخطط لإخراج أمريكا من الشرق الأوسط والحرب تضع بن سلمان أمام مأزق وعزلة دولية (2-4)

يكتسب خط الأنابيب أهمية إضافية لأنه يتجاوز مضيقي هرمز وباب المندب، ما يجعله مسارًا بديلًا لصادرات النفط السعودية؛ لكن إغلاقه أو تعطيله قد يدفع مصافي النفط السعودية على الساحل الغربي إلى خفض الإنتاج، وفق التقرير؛ ونرى أن الرياض تواجه في الوقت نفسه معضلة عسكرية مع الحوثيين، إذ لم تتمكن المملكة، رغم تدخلها العسكري في اليمن منذ عام 2015، من هزيمة الجماعة أو فرض التسوية التي كانت تسعى إليها؛ وبعد انتقال السعودية إلى سياسة التهدئة مع إيران عام 2023، وسعيها إلى تفاهم مع الحوثيين، تصاعدت التوترات مجددًا بعدما أعلن الحوثيون أنهم سيفرضون حصارًا على الموانئ السعودية دعمًا لإيران؛ إن الهجمات المحدودة على السعودية قد تحقق للحوثيين مكاسب اقتصادية وسياسية، من بينها زيادة تكاليف الأمن والتأثير في الثقة بالاستقرار السعودي والضغط على الرياض للتفاوض؛ بين التصعيد والتسوية.

المملكة بين التصعيد والتسوية

وتجد السعودية نفسها أمام خيارات صعبة؛ فالعودة إلى حرب واسعة مع الحوثيين قد تعيد فتح تجربة عسكرية مكلفة، بينما قد يُنظر إلى تقديم تنازلات على أنه دليل على قدرة الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة على التأثير في السياسة السعودية؛ إن المملكة قادرة على إلحاق أضرار كبيرة بالحوثيين، لكنها لا تستطيع ضمان إجبارهم على الاستسلام، ما يضع الرياض بين خيارَي التصعيد والتسوية؛ كما يواجه الموقف السعودي تحديات في علاقاته مع الحلفاء؛ وكذا إلى فتور العلاقات بين السعودية والإمارات، رغم الشراكة السابقة بين البلدين في اليمن، في وقت تحتاج فيه دول الخليج إلى مزيد من التنسيق لمواجهة التهديدات الإقليمية؛ وينقل التقرير عن انتفاض قنبر، المستشار السابق في الحكومة العراقية لشؤون الشرق الأوسط، أن الخلاف السعودي الإماراتي يضعف التعاون الخليجي في توقيت تواجه فيه المنطقة ضغوطًا متزايدة من إيران والجماعات المسلحة المدعومة منها؛ كما وسعت الرياض علاقاتها الأمنية مع تركيا وباكستان، لكن قنبر يرى أن التعاون مع الولايات المتحدة ودول الخليج لا يزال أساسيًا بالنسبة إلى أمن المملكة؛ ضغوط اقتصادية أيضًا ولا تقتصر التحديات على الجانب الأمني، إذ تتزامن الأزمة العسكرية مع ضغوط مالية على بعض مشاريع “رؤية 2030″؛ وإلى تقليص مشروع “ذا لاين” وتسريح موظفين مرتبطين به، إضافة إلى الضغوط التي واجهها دوري LIV Golf بعد سحب صندوق الاستثمارات العامة السعودي دعمه ودخوله إجراءات الحماية من الإفلاس.

لكن محلل شؤون الخليج أحمد الخزاعي يرى أن إعادة تخصيص الاستثمارات وتقليص بعض المشاريع لا تعني بالضرورة تراجعًا، بل قد تعكس محاولة للتكيف مع ظروف السوق؛ والضغط لا يعني تهديد الحكم ورغم الضغوط المتزايدة، يميز التقرير بين التحديات التي تواجه استراتيجية محمد بن سلمان وبين وجود تهديد مباشر لسلطته؛ ويشير إلى أن ولي العهد عزز خلال نحو عقد سيطرته على مؤسسات الدولة، بينما جرى تهميش منافسيه، وينقل عن ألكسندر قوله إنه لا توجد مؤشرات موثوقة على احتمال حدوث انقلاب خلال الأشهر أو السنوات المقبلة؛ وإن السيناريو الأكثر خطورة على المملكة سيكون اجتماع عدة عوامل، بينها تعطل صادرات النفط، وانتكاسات عسكرية كبيرة، وانكماش اقتصادي حاد، وهي ظروف لم تتحقق حتى الآن؛ ونخلص في هذا الصدد إلى أن التحدي الأساسي أمام محمد بن سلمان لا يتمثل في تهديد مباشر لسلطته، وإنما في احتمال أن تصبح البيئة الإقليمية المحيطة بالسعودية شديدة الخطورة ومكلفة إلى حد يعرقل التحول الاقتصادي الذي يقوده، بعدما سعى لسنوات إلى جعل المملكة مركزًا للاستثمار والاستقرار في منطقة مضطربة.

الحوثيون والشرق الأوسط

قالت صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية إن جماعة الحوثيين (أنصار الله) في اليمن تحولت خلال السنوات الأخيرة من جماعة مسلحة محلية إلى قوة قادرة على تنفيذ هجمات بعيدة المدى وتهديد الملاحة في البحر الأحمر، مع تطور متزايد في قدراتها على تصنيع الأسلحة محليًا؛ وأطلق الحوثيون صواريخ على أهداف في إسرائيل على مسافات تتجاوز ألف ميل، كما استخدموا طائرات مسيرة بحرية لاستهداف حركة السفن في البحر الأحمر؛ وأشارت الصحيفة إلى أن الجماعة تعمل أيضًا على تطوير قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي وتصنيع أنظمة أسلحة أكثر تطورًا، بما قد يقلل اعتمادها على إيران؛ وقال تيموثي إيه؛ ليندركينغ، المبعوث الأمريكي السابق إلى اليمن لتلك الصحيفة، إن الحوثيين يستغلون كل فرصة لبناء قدراتهم واختبارها، إلى درجة وصفهم بأنهم أصبحوا “أكثر فاعل من غير الدول فتكًا في الشرق الأوسط بأسره”؛ ووفق تقرير لشركة “أنثروبيك”، استخدمت خلية مرتبطة بالحوثيين في شمال اليمن برنامج الذكاء الاصطناعي Claude في محاولة لتطوير أسلحة موجهة، ووصلت إلى تنفيذ تجربة إطلاق لصاروخ موجه.

وأشارت الصحيفة إلى أن الحوثيين ما زالوا يعتمدون على إيران في الحصول على بعض المكونات المتطورة، لكنهم أصبحوا أكثر قدرة على تصنيع أجزاء كبيرة من الصواريخ والطائرات المسيّرة داخل المناطق الخاضعة لسيطرتهم؛ ويرى خبراء أن الهدنة التي بدأت في اليمن عام 2022 وفرت للجماعة فرصة لإعادة تنظيم صفوفها والتدريب وإعادة تجهيز مخزونها وتطوير قدراتها الصناعية؛ وقال بيتر سالزبري، الباحث المتخصص في تصنيع الحوثيين للأسلحة، إن حجم السلع والمكونات التي تدخل اليمن لأغراض التصنيع العسكري ارتفع بصورة كبيرة منذ الهدنة، فيما باتت أجزاء أكبر من الأسلحة، بما فيها هياكل الصواريخ، تُنتج محليًا؛ كما طورت الجماعة، وفق التقرير، سلاسل إمداد أكثر مرونة للحصول على مكونات من السوق العالمية، بما في ذلك عبر الصين، والتهريب البحري من خلال القرن الأفريقي ونقل الشحنات بين السفن؛ ورغم ذلك، لا يزال الحوثيون بحاجة إلى إيران والحرس الثوري للحصول على بعض المكونات الأكثر تطورًا والخبرات العسكرية.

ويعتقد خبراء أن ضباطًا إيرانيين لا يزالون يشاركون في التخطيط للعمليات وتطوير القدرات العسكرية للجماعة؛ تصعيد جديد ضد السعودية وتقول “نيويورك تايمز” إن التصعيد الأخير بدأ بعد تطورات مرتبطة بالحرب مع إيران، إذ زار وفد حوثي طهران في يوليو الماضي من العام الحالي، قبل أن يعود إلى اليمن على متن طائرة تابعة لشركة “ماهان إير” الإيرانية الخاضعة للعقوبات الأمريكية؛ وتعتقد السعودية والحكومة اليمنية أن الطائرة كانت تحمل أفرادًا عسكريين إيرانيين وأسلحة، بينما اضطرت إلى تغيير مسارها بعد منعها من الهبوط في مطار صنعاء؛ وعقب ذلك، شن الحوثيون هجمات على مطار أبها الدولي في جنوب السعودية، في أول هجوم لهم على المملكة منذ عام 2022، ما فتح مرحلة جديدة من المواجهة؛ ويشير التقرير، الذي نشر في الصحيفة، إلى أن قدرات الحوثيين لم تعد تقتصر على الأسلحة التقليدية، إذ أظهرت محاولاتهم استخدام الذكاء الاصطناعي لتطوير صواريخ بعيدة المدى ومركبات انزلاقية فرط صوتية سعي الجماعة إلى مواصلة تطوير تقنياتها العسكرية، حتى مع القيود المفروضة على وصولها إلى التكنولوجيا المتقدمة؛ ويختتم التقرير بنقل تأكيد ليندركينغ أن الحوثيين يتحركون باستمرار ويتمتعون، بحسب وصفه، “بروح ابتكارية عالية للغاية”، في مؤشر على أن الجماعة تسعى إلى ترسيخ قدراتها العسكرية وتوسيع نطاق عملياتها في المنطقة.

“اتفاق مكة” والحرب السعودية الإيرانية

وعلي صعيد أخر، قال وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف لشبكة “جيو نيوز”، وهي شبكة إخبارية باكستانية بارزة تبث باللغة الأوردية، إن التطورات الأخيرة تستدعي تفعيل اتفاق مكة، مؤكدًا أن بلاده ملزمة بالدفاع عن السعودية، وذلك بعد اعتراض طائرة مسيّرة حوثية قرب مكة؛ وأوضح آصف أن حماية المقدسات الإسلامية واجب على باكستان، سواء وُجد اتفاق أم لا، مضيفًا أن بلاده لن تكشف علنًا تفاصيل أي استراتيجية عسكرية؛ وكانت السعودية قد أعلنت اعتراض طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور، فيما نفى الحوثيون استهداف المدينة، وقالوا إن عملياتهم تتركز على المنشآت النفطية والقواعد العسكرية السعودية؛ وفي السياق ذاته، جدد رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف دعم بلاده الكامل للسعودية، وأكد وقوف إسلام آباد “كتفًا إلى كتف” مع الرياض، مع الدعوة إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد؛ وقال آصف إن باكستان نقلت رسالة سعودية إلى إيران بشأن هجمات الحوثيين، معربًا عن اعتقاده بأن طهران لن تسعى، كدولة، إلى فتح جبهة جديدة في المنطقة؛ كما حذر من تداعيات اضطراب الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، مشيرًا إلى أن تعطلهما يهدد التجارة والاقتصادات الإقليمية، بما في ذلك الاقتصاد الباكستاني.

وقال مسؤول سعودي رفيع لـ”إسرائيل هيوم” إن المملكة تعتبر نفسها في حالة حرب مع إيران، حتى من دون إعلان رسمي، متهما طهران باستخدام الحوثيين لاستهداف السعودية وإغلاق باب المندب ورفع أسعار النفط، إلى جانب السعي لزعزعة الاستقرار في الخليج؛ وأضاف المسؤول أن إسقاط النظام الإيراني يمثل “مصلحة إقليمية وعالمية”، معتبرا أن إسرائيل قادرة على مساعدة دول الخليج، وأن تعاونها مع الأمريكيين في مواجهة إيران يجعلها طرفا رئيسيا في المعادلة الإقليمية؛ وأشار إلى أن أي تحرك سعودي سياسي تجاه إسرائيل لن يكون وشيكا، وأنه مرتبط بتطورات الوضع في إيران، فيما تحدث التقرير عن قيود قانونية سعودية لا تزال تجرم بعض أشكال التطبيع والتعاطف العلني مع إسرائيل؛ وفي السياق، قال سفير إسرائيل لدى الإمارات يوسي شيلي إن دولة أخرى قد تنضم إلى “اتفاقات أبراهام” خلال أربعة إلى ستة أشهر، ملمحا إلى الكويت، فيما أفادت مصادر بأن التصريح قد يؤدي إلى تأخير بعض الإجراءات؛ وتخلص مصادر الصحيفة إلى أن إسرائيل ترى أن قدراتها في مواجهة إيران وحماية دول الخليج، إلى جانب تعاونها مع واشنطن، قد تجعل انضمام دول خليجية أخرى إلى اتفاقات أبراهام مسألة وقت.

وإلي لقاء أخر باذن الله.

الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية.

شاهد أيضاً

روسيا.. إحباط هجوم إرهابي استهدف مسؤولا رفيع المستوى في موسكو

الاخبارية – وكالات أعلنت هيئة الأمن الفيدرالية الروسية أن عناصرها ألقوا القبض على أحد سكان …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *