فاتن صبحي عبد المجيد تكتب.. حين تنقلب أدوات الظلم على أصحابها: قراءة في قصة المرآة والقفل” للأديب الدكتور كمال يونس

“المرآة والقفل” قصة قصيرة للأديب القاص د. كمال يونس تبدو للوهلة الأولى حكاية عن رجل غاضب من شخص أكرمه ثم انقلب عليه لكن القراءة المتأنية تكشف أننا أمام نص يناقش قضية أوسع هي فساد العلاقات القائمة على المصلحة وكيف يمكن للظالم أن يصنع بيده الأدوات التي تنقلب عليه فيجد نفسه يومًا أمام الأذى الذي شارك في صناعته.
العنوان “المرآة والقفل” يضعنا أمام رمزين أساسيين يحملان جانبًا كبيرًا من الدلالة. فالمرآة في ظاهرها أداة لرؤية الوجه لكنها هنا تتحول إلى مساحة لمواجهة الذات وإلى صوت يكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه عن نفسها. أما القفل فيظهر في نهاية القصة ليغلق الباب ماديًا لكنه يحمل دلالة أعمق فالشخصية لا تغلق باب الغرفة فحسب بل تحاول إغلاق باب المواجهة وترفض أن تنصت إلى الحقيقة التي كشفتها المرآة. وبين المرآة والقفل تتحرك القصة من انكشاف الحقيقة إلى محاولة الهروب منها.
يبدأ الكاتب بقوله: “ينظر في المرآة ليمشط شعره مخاطبًا نفسه” وهي بداية ذكية في اقتصادها حيث يدخل بنا مباشرة إلى عالم الشخصية دون مقدمات طويلة. والأهم أن الكاتب لا يقدم صفاتها الأخلاقية في وصف مباشر وإنما يجعلها تنكشف من خلال كلامها. فهو يبدأ بالشكوى: “كيف لهذا الولد الخائن أن يقف ضدي بعد أن أكرمته” ثم يسرد ما منحه له من مناصب وامتيازات لنكتشف تدريجيًا أن ما يسميه إكرامًا لم يكن بريئًا وإنما كان جزء من صناعة تابع يخدم مصالحه.
وتتضح المفارقة أكثر عندما يأتي صوت المرآة: “ألم تستخدم هذا الصبي تابعًا لك لينتقم لك من خصومك؟” هنا تنقلب زاوية الرؤية فالرجل الذي يرى نفسه صاحب فضل ومظلوم من الخائن يكتشف من خلال انعكاسه ذاته أنه كان شريكًا في صناعة ما يشكو منه. وهذه من أبرز نقاط قوة النص لأن المرآة لم تبقَ عنصر جامد في المشهد بل تحولت إلى شخصية فاعلة تؤدي وظيفة سردية ورمزية في وقت واحد.
ومن أجمل ما في هذا التوظيف أن الكاتب جعل ضحكة المرآة تسبق كلامها: “يسمع صوت قهقهة صادرة من صورته بالمرآة” فالقهقهة هنا ليست مجرد صوت وإنما تحمل معنى السخرية من التناقض بين الصورة التي صنعتها الشخصية عن نفسها وبين حقيقتها التي يحاول الحوار كشفها. وكأن صورته لم تعد تحتمل أن تصمت أمام هذا القدر من التبرير.
وتزداد قوة المفارقة حين يكشف الحوار أن الرجل استخدم تابعه “ليشوههم، يسبهم، يلاحقهم بقضايا لفقتماها لإزالة عضوياتهم بل وحرمانهم من الدخول للنادي”. وهنا تتسع القضية من خلاف شخصي بين رجلين إلى قضية تتعلق باستغلال السلطة والنفوذ وتوظيف العلاقات والمناصب لضرب الخصوم ثم تحول أصحاب المصالح أنفسهم إلى خصوم عندما تتبدل موازين القوة.
واللافت أن الكاتب يضع أمامنا سلسلة من الأفعال المتدرجة: التعيين ومنح العضوية ومنح الرئاسة ثم استخدام هذا الشخص في الانتقام والتشهير والملاحقة. هذا التدرج يكشف أن العلاقة لم تبنَ على الكفاءة أو الأمانة وإنما على المنفعة المتبادلة. ولذلك يصبح الانقلاب في النهاية نتيجة طبيعية للعلاقة نفسها وليس حادث مفاجئ خارج منطقها.
وتأتي جملة المرآة: “إن أصدقاء ورفقاء وأعوان الظلمة أمثالك… يسلط الله بعضهم على بعض” لتضع المعنى الأخلاقي للنص في وضوح شديد. وهنا تتحول المرآة إلى صوت الضمير الذي عجز الرجل عن إسكاته فتضعه أمام حقيقة أفعاله: من أعان على الظلم قد يصبح يومًا ضحية له.
وتأتي الإضاءة لتضيف بعدًا رمزيًا آخر إلى المشهد: “تنخفض إنارة الحجرة تدريجيًا حتى أنه لم يتبق إلا بصيص من ضوء منعكس على المرآة” فكلما خفت الضوء من حول الشخصية بقيت المرآة مضيئة بما يكفي لكشف حقيقتها وكأن الحقيقة لا تحتاج إلى نور كثير كي تظهر وإنما تحتاج إلى عين مستعدة لأن تراها.
ثم تأتي لحظة كسر المرآة: “يقذف المرآة بفرشاة الشعر فيكسرها” وهي لحظة ذات دلالة قوية فهو لا يكسر المرآة لأنها كاذبة وإنما لأنها كشفت ما لا يريد مواجهته. وكسرها لا يعني تحطيم الحقيقة بل محاولة التخلص من صورتها المؤلمة. غير أن الحقيقة لا تنتهي بكسر المرآة فقد عرفها بالفعل حتى وإن رفض الاعتراف بها.
أما القفل الذي يختتم به الكاتب قصته فيتجاوز وظيفته المادية ليصبح رمز للعقل المغلق الذي يرفض المراجعة. فالرجل لا يخرج من تجربته نادم أو متعلم وإنما يقول: “سأستعين بآخر ليقوم بدوره” ثم يبدأ “رحلة البحث عن معين آخر لظالم” وهنا تكتمل الدائرة فبدل أن يتوقف عن الظلم يبحث عن أداة جديدة لمواصلة الطريق نفسه وكأن القصة تقول إن المشكلة ليست في التابع وحده وإنما في منظومة كاملة تقوم على استخدام البشر لخدمة النفوذ والمصلحة.
وتكمن قوة القصة في هذا التكثيف الشديد فمشهد واحد وشخصية واحدة ومرآة تتحدث وضحكة وضوء يخفت ثم قفل يغلق الباب كلها عناصر قليلة استطاع الكاتب أن يمنحها دلالات متعددة. كما نجح الحوار في كشف الشخصية دون حاجة إلى سرد طويل وجاءت النهاية متسقة مع طبيعتها حيث لم يحدث التحول المتوقع بل استمرت الشخصية في الطريق ذاته.
وفي النهاية لا تقدم قصة”المرآة والقفل” مجرد حكاية عن تابع انقلب على من استخدمه وإنما تكشف كيف يمكن للظلم أن يصنع أدواته ثم يكتوي بها وكيف قد يرى الإنسان الحقيقة أمامه كاملة لكنه يختار أن يكسر المرآة بدل أن يغير نفسه. ولعل هذه هي الحكمة الأشد مرارة في القصة: ليست المشكلة دائمًا في أن الحقيقة غائبة وإنما في أن البعض يرفض مواجهتها حين تظهر.

شاهد أيضاً

بعد رحلة في أغاني الفيديو كليب : جمال أمل مخرجاً لأول مرة في مسلسلات الدراما.. ميرنا جميل إمرأة مطلقة .. ماشية عكس!!

كتب نادر أحمد بعد مشوار طويل في إخراج أغاني الفيديو كليب ، يخوض مخرج الكليبات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *