تمر المنطقة العربية بمرحلة شديدة التعقيد. صراعات ممتدة في اليمن والسودان وليبيا وسوريا، وتوترات إقليمية متزايدة، وتنافس في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وضغوط على الأمن المائي والغذائي، وتحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة، فضلاً عن تدخلات خارجية تؤثر بصورة مباشرة في مستقبل المنطقة وتوازناتها.
وفي قلب هذا المشهد تقف دول عربية تختلف، بطبيعة الحال، في مصالحها وأولوياتها وحساباتها.
والسؤال الحقيقي هو كيف يمكن تحويل المساحات التي تتقاطع فيها هذه المصالح إلى قدرة جماعية على الفعل والتأثير. وهنا تصبح الحاجة إلى جامعة عربية أكثر فاعلية مسألة تتجاوز إصلاح مؤسسة قائمة منذ أكثر من ثمانين عاماً. ففي بيئة إقليمية تتداخل فيها أزمات الأمن والطاقة والمياه والغذاء والتكنولوجيا، وتتحرك فيها القوى الدولية والإقليمية من خلال تحالفات وأطر للتنسيق، يصبح وجود مؤسسة تجمع اثنتين وعشرين دولة عربية مورداً لا ينبغي التعامل معه باعتباره هامشياً.
فالجامعة لا تستطيع أن تحل محل الدول، ولا أن تلغي خلافاتها، ولا يفترض أن تكون سلطة فوقها. لكنها تستطيع أن توفر منصة دائمة للتشاور، وأن تسند القرار بالمعرفة والتحليل، وأن تساعد على استشعار المخاطر مبكراً، وأن تفتح مساحات للدبلوماسية قبل تفاقم الأزمات، وأن تدعم التنسيق عندما توجد مصلحة مشتركة.
والمشكلة أن الجامعة عانت طويلاً من فجوة بين ما هو مطلوب منها وما تملكه فعلياً من أدوات. فهي كثيراً ما تُستدعى بعد وقوع الأزمات، ثم تُطالب بنتائج تتجاوز ما منحته لها دولها من مساحة للتحرك أو معلومات أو دعم سياسي. ومن هنا يدخل سؤال المصداقية إلى صميم الموضوع. فالثقة بفاعلية العمل العربي الجماعي تراجعت مع الوقت، والسياسات المتباعدة والحسابات المتنافسة جعلت جدوى هذا العمل أقل وضوحاً. ولا تستعاد هذه الثقة ببيانات التضامن وحدها، بل بإثبات عملي أن الجامعة تستطيع أن تضيف قيمة حقيقية للدول الأعضاء.
في هذا السياق تكتسب الخطوات التي بدأها نبيل فهمي منذ توليه الأمانة العامة أهميتها. اختار فهمي لمشروعه عنواناً بالغ البساطة: التصدي، التطوير، التنمية. وراء هذه الكلمات الثلاث تصور لدور أكثر فاعلية للجامعة، لكنه ليس غاية في ذاته بقدر ما هو محاولة لإثبات أن المؤسسة قادرة على أن تصبح أكثر فائدة للدول الأعضاء.
فالتصدي يعني مواجهة التحديات من خلال بناء قدرات وطنية وإقليمية ودولية وفق مفهوم واسع للأمن القومي. والتطوير يعني الاستثمار في البشر والمؤسسات والمعرفة بما يمكّن الدول العربية من المشاركة في صياغة الترتيبات الإقليمية والدولية، لا الاكتفاء بتلقي نتائجها. أما التنمية فهي ما يمس حياة المواطن مباشرة، ويقوي الروابط والمصالح بين الدول العربية.
وبدأ فهمي بالفعل في ترجمة ذلك إلى خطوات، من بينها تطوير قدرات التحليل الاستراتيجي والإنذار المبكر والدبلوماسية الوقائية وإدارة الأزمات، وتوسيع الاستعانة بالخبرات العربية، والاستفادة من مبعوثين في ملفات بعينها، إلى جانب متابعة أدق للقرارات وأداء المؤسسة، ومراجعة التداخل في الاختصاصات واستخدام الموارد.
وقيمة هذه الخطوات لن تقاس بعدد الآليات الجديدة التي تُنشأ في القاهرة. فالاختبار الحقيقي للإنذار المبكر هو ما إذا كان التحليل يصل إلى الحكومات في وقت يسمح بتغيير القرار أو تجنب الأزمة. وقيمة الدبلوماسية الوقائية هي أن تبدأ بينما لا تزال هناك مساحة للحلول. وقيمة الاستعانة بالخبرات هي أن تصبح الجامعة قادرة على تقديم بدائل حقيقية
لصانع القرار، لا مجرد إضافة أجهزة جديدة إلى هيكلها.
لكن هذه الجهود، مهما بلغت جديتها، لا تستطيع أن تنجح بعمل الأمانة العامة وحدها. فالدول نفسها مطالبة بأن تثبت أنها تريد بالفعل جامعة أكثر فاعلية. ومن هنا فإن تطوير الجامعة يحتاج إلى مسارين متوازيين: تطوير المؤسسة من الداخل، واستعداد الدول للاستثمار السياسي فيها واستخدامها باعتبارها ملكاً جماعياً لجميع أعضائها.
وتبقى بالطبع أسئلة صعبة حول الإجماع واتخاذ القرار والتنفيذ. لكنها لا ينبغي أن تصبح شرطاً مسبقاً لكل إصلاح. فمن الممكن تحسين قدرة الجامعة على التحليل والتنسيق والوساطة والمتابعة داخل الإطار القائم، وبناء الثقة تدريجياً، ثم التعامل مع الأسئلة الأكثر حساسية كلما تطورت التجربة.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي ليس نجاح أجندة بعينها، بل ما إذا كانت الجامعة ستصبح مؤسسة تلجأ إليها الحكومات في وقت أبكر، ويؤثر تحليلها في قراراتها، وتسهم دبلوماسيتها في منع الأزمات، وتساعد أدواتها على تحويل المصالح المشتركة إلى عمل جماعي. وهنا تصبح مبادرات نبيل فهمي دليلاً على جدية القيادة الجديدة في محاولة استعادة فاعلية الجامعة ومصداقيتها. لكن الجدية المطلوبة لا يمكن أن تكون من جانب واحد.
مساعد وزير الخارجية السابق
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
