عدنان الروسان يكتب.. زيارة نتنياهو إلى الإمارات.. ماذا يريد نتنياهو


هل تهاجم ايران اسرائيل و امريكا استباقيا قبل الانتخابات… ام تنتظر الهجوم الامريكي عليها بعد الانتخابات

الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى أبوظبي، والتي بقيت في إطار من السرية إلى أن كشفتها القناة 12 الإسرائيلية، جاءت في توقيت شديد الحساسية بالنسبة إلى إسرائيل والمنطقة.

وقد أكدت الحكومة الإماراتية لاحقاً حصول اللقاء بين نتنياهو والرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فيما قال مكتب نتنياهو إن الزيارة جاءت بدعوة من الرئيس الإماراتي، وإن البحث تناول العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية. كما أفادت تقارير إسرائيلية بأن إيران كانت من الموضوعات الرئيسية التي نوقشت.

لكن الزيارة لم تكن عادية، ليس فقط بسبب سريتها، وإنما أيضاً بسبب التوقيت والظروف السياسية التي أحاطت بها.

فقد كشفت القناة 12 عن الرحلة قبل عودة الطائرة إلى إسرائيل، الأمر الذي دفع جهاز الشاباك إلى تقديم شكوى إلى الرقابة العسكرية والمطالبة باتخاذ إجراءات قانونية بحق القناة، معتبراً أن كشف الرحلة في ذلك التوقيت عرّض رئيس الوزراء والوفد والعملية الأمنية للخطر.

وهنا يصبح السؤال الأهم: لماذا احتاج نتنياهو إلى هذه الزيارة في هذا التوقيت تحديدا
لا أعتقد أن الإجابة يمكن اختزالها في سبب واحد.

هناك تقارير إعلامية نقلت عن مصادر مطلعة أن أحد أهداف اللقاء كان محاولة الحصول على نفي إماراتي للتقارير التي تحدثت عن أن الشيخ محمد بن زايد كان قد حذر نتنياهو، قبل هجوم 7 أكتوبر 2023، من خطر هجوم محتمل لحماس.

نتنياهو نفى هذه التقارير، كما لم تؤكد الإمارات رسمياً هذه الرواية أو تنفها، بينما قدمت أبوظبي وصفاً عاماً للاجتماع باعتباره بحثاً في العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية.

وهذه النقطة وحدها كافية لفهم جزء من حساسية الزيارة، لأنها تأتي في وقت تحولت فيه مسؤولية الإخفاق الأمني الذي سبق 7 أكتوبر إلى واحدة من أهم القضايا السياسية في إسرائيل.

لكن الصورة الأوسع لا تقل أهمية.

فنتنياهو عاد من نيويورك بعد خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في مشهد كان شديد الصعوبة بالنسبة إليه دولياً. فقد غادرت عشرات الوفود القاعة مع بدء خطابه، وبدا عدد كبير من المقاعد فارغاً أثناء حديثه. ورد نتنياهو على المغادرين بوصفهم بأنهم “جبناء أخلاقياً”، قبل أن يواصل خطابه الذي اتسم بنبرة دفاعية وهجومية في آن واحد.

كما هاجم خلال خطابه عمدة نيويورك زهران ممداني، الذي كان قد اتخذ موقفاً شديد الانتقاد للحكومة الإسرائيلية وحربها في غزة.

وفي نيويورك أيضاً كانت تركيا تستخدم شاشات ضخمة في تايمز سكوير وشاحنات رقمية متنقلة لعرض رسائل للرئيس رجب طيب أردوغان حول السلام والعدالة والحرب، في حين كانت إسرائيل نفسها قد أطلقت حملة دعائية واسعة في المدينة شملت مئات اللوحات الإعلانية والعشرات من الشاحنات الرقمية للترويج لروايتها بشأن إيران والعلاقة الأميركية الإسرائيلية.

والأهم أن نتنياهو غادر الولايات المتحدة بعد خطابه من دون لقاء معلن مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في زيارة قصيرة للغاية إلى نيويورك.

ثم جاء خطاب الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليضيف بعداً آخر إلى المشهد.

كان الخطاب الأردني شديد الوضوح في انتقاد السياسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، ووضع الأمن الأردني والحدود والمياه في إطار الخطوط الحمراء، كما حذر من التطورات في جنوب سوريا ومن أي محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض.

وهذه ليست مجرد لهجة خطابية عابرة؛ فالأردن يتعامل مع تطورات غزة والضفة الغربية وجنوب سوريا باعتبارها قضايا تمس أمنه الوطني مباشرة.

وكانت تقارير إسرائيلية قد تحدثت في وقت سابق من العام عن محاولات من مكتب نتنياهو لترتيب لقاء مع الملك عبدالله الثاني، قالت إن عمّان لم تستجب لها، في ظل خلافات متعلقة بالأقصى والتطورات الإقليمية. ولم يصدر في ذلك الوقت تأكيد أردني رسمي لهذه التقارير.

وفي الوقت نفسه، كانت إيران حاضرة في نيويورك سياسياً ودبلوماسياً.
فالوفد الإيراني شارك في اجتماعات الجمعية العامة، وأجرى مسؤولون إيرانيون وأميركيون اتصالات غير مباشرة ومباشرة عبر وسطاء، بل جرت في نيويورك مباحثات بين مسؤولين أميركيين ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول سبل إنهاء الحرب.

الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران دخلت شهرها السابع، خلافاً للتقديرات المبكرة التي تحدثت عن حرب قصيرة، فيما لم تؤد العمليات العسكرية حتى الآن إلى تسوية سياسية نهائية، وما زالت واشنطن وطهران تبحثان عن صيغة لوقف الحرب ، و تصطدمان بجدار من الرفض الايراني و الصمود الذي لم يكن متوقعا في الخطة الموضوعة قبل الحرب.

وهذا التطور يضع نتنياهو أمام مشكلة سياسية واستراتيجية في آن واحد.
فالانتخابات الإسرائيلية ستجري في 27 أكتوبر، أي بعد أسابيع قليلة، وسط استطلاعات تشير إلى تراجع قوة الليكود وصعوبة ضمان أغلبية برلمانية لنتنياهو. لكن النتيجة الانتخابية ليست محسومة، ومن المبكر الحديث عن نهاية حياته السياسية أو خروجه المؤكد من المشهد.

ومن هنا يمكن قراءة زيارة أبوظبي باعتبارها جزءاً من تحرك أوسع. هل أراد نتنياهو فقط معالجة قضية التحذير الإماراتي المزعوم قبل 7 أكتوبر أم أنه أراد أيضاً الحفاظ على قنواته مع دولة خليجية مهمة في لحظة إقليمية شديدة التعقيد

أم أن إيران كانت العامل الرئيسي في الزيارة؟

ربما كانت الإجابة مزيجاً من هذه العناصر كلها.

أما الحديث عن أن الإمارات ستقدم لنتنياهو مخرجاً سياسياً أو ستتبنى موقفاً علنياً لصالحه، فيحتاج إلى قدر أكبر من الحذر. فالإمارات نفسها تتحرك داخل شبكة علاقات معقدة تشمل الولايات المتحدة والسعودية وإيران وإسرائيل، وأي خطوة علنية لها كلفتها الإقليمية.
والأهم أن ما يجري في الخليج لا يمكن فصله عن الحرب مع إيران.

فطهران هددت بالرد على أي تصعيد أميركي، وفي الوقت نفسه بقيت القنوات الدبلوماسية مفتوحة عبر وسطاء. كما أن مضيق هرمز تحول إلى ورقة أساسية في الحسابات الإيرانية والأميركية.

أما بالنسبة إلى الانتخابات النصفية الأميركية في 3 نوفمبر، فإن توقيت الحرب أصبح بالفعل جزءاً من الحسابات السياسية في واشنطن. وهناك تحليلات ترى أن توقيت التصعيد أو التهدئة قد يتأثر بالانتخابات، فيما اتهم ترامب إيران علناً بمحاولة التأثير في الانتخابات.

نحن أمام ثلاثة مسارات متداخلة: انتخابات إسرائيلية، وانتخابات نصفية أميركية، وحرب مع إيران لم تصل بعد إلى تسوية نهائية.

وفي وسط هذه المعادلة تتحرك دول الخليج والأردن بحسابات شديدة الدقة، لأن أي انحياز واضح إلى أحد أطراف الصراع قد تكون له كلفة أمنية وسياسية واقتصادية.

لذلك أعتقد أن زيارة نتنياهو إلى أبوظبي تستحق القراءة باعتبارها جزءاً من هذا المشهد الأكبر، وليس باعتبارها حدثاً منفصلاً.

ربما تحمل الزيارة رسائل سياسية تتجاوز ما أعلن رسمياً.
وربما كان ملف التحذير من 7 أكتوبر هو الدافع الأساسي.
وربما كان الملف الإيراني هو الأهم.

لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن نتنياهو يتحرك في مرحلة تتقاطع فيها أزمته السياسية الداخلية مع تغيرات إقليمية كبيرة، وأن الإمارات والأردن وإيران والولايات المتحدة جميعها أصبحت أطرافاً في معادلة لا يزال شكلها النهائي غير واضح.

سننتظر لنرى كيف ستتطور الأمور.والأهم، في رأيي، أن نناقشها بعيداً عن الشتائم والتخوين.
فنحن لا نحتاج إلى مزيد من الضجيج.

نحتاج إلى فهم ما الذي يحدث، ولماذا يحدث، وإلى أين يمكن أن تقودنا هذه التحولات.

شاهد أيضاً

د. حسام بدراوي يكتب.. سقوط الحاكم لا يُسقِط السد

قرأت امس في “المصري اليوم”مقال الدكتور عمرو هاشم ربيع بعنوان ‏‎ ‎‏”نظام أبي أحمد يترنح …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *