فايزة أحمد وبليغ حمدي.. الشهرة والخصومة والخاتمة بجوهرة “حبيبي يا متغرب”
كان لفايزة أحمد مشوار قصير من الأعمال البديعة مع بليغ حمدي الذي قدم لها 14 لحنا عاطفيا ووطنيا، مثل “حسادك علموك”، و”متحبنيش بالشكل ده”، و”رجعني لقلبك”، و”تسلم لي عنيك”، و”قلبي سألته عليك”، و”اتحسدنا ولا ايه”، و”تايهة وتوهوني أحبابي وفاتوني”، و”كفاية”، و”جيل الثورة”، و”عروس أسوان”، و”عشان باحبك أنا”، واختتم ألحانه لها في عام 1982 بعد الصلح بينها عقب انفصاله عن الفنانة وردة، بأحد أهم الشوامخ في الغناء العربي وهو لحن الأغنية الطويلة “حبيبي يا متغرب”.
وتعتبر ألحانه الأولى لفايزة أحمد هي التي قدمته لعالم الغناء حيث كانت من أوائل من لحن لهم، وهي أول مطربة كبيرة يلحن لها، حيث لم يلحن قبلها إلا لمطربة من الصف الثاني هي فايدة كامل. وكانت فايزة أحمد تشكو من ذلك بقولها: بليغ أنا قدمته للجمهور ثم تجاهلني!
وبعد زواجه من وردة وتفرغه لها، تجاوزت العلاقة مسألة التجاهل، إلى تنافس حاد لم يخل من مشاعر غير ودية، لدرجة أنه كان يتجاهل أنها هي من قدمته للجمهور، فيشير دائما إلى أن بداياته كانت مع فايدة كامل، وهو أمر صحيح، ومع عبد الحليم حافظ ووردة ونجاة، وهو أمر غير صحيح، حيث جاءت ألحانه لكل هؤلاء بعد أن قدم ألحانه الأولى التي عرفت الجمهور بعبقريته، على جسر صوت كروان الشرق فايزة أحمد. أما رأيه فيها فركزه في جملة واحدة: “صوت مُعبِّر وحساس وبتفهم في المزيكا”. وكان فهمها للموسيقى هو بالتحديد أحد أسباب مشاكلها مع الملحنين الذين لا يحبون التدخل في ألحانهم.
وبعد خصومة طويلة التقيا في عام 1982 في أغنية “حبيبي يا متغرب”. وتلك الأغنية الطويلة التي تعد من أروع شوامخ الغناء العربي، هي نداء بالغ الرقة والرهافة للحبيب المغترب. وقدم فيها المبدع بليغ حمدي واحدا من أروع ألحانه، وهو أقرب لقصيد سيمفوني عن الغربة. وفي ختام المقدمة الموسيقية يسحر بليغ القلوب بجملة استثنائية الجمال يؤديها الناي والساكسفون بالأساس. وكذلك فعل في مقدمة الكوبليه الثاني بجملة يؤديها الكمان في حوار مع الأوركسترا متقمصا روح الكونشرتو ومعبرا بعمق عن روح الأغنية. وفي الكوبليه الثالث ترك بليغ حمدي المدرك لجمال وعمق إحساس الكبيرة فايزة أحمد، مساحة هائلة لها لتغمر الجمهور بتفاريدها وإحساسها العميق وجمال صوتها الآسر في مقطعي (أعذرني قد ما تقدر..) و (قد الشوق اللي بيقتلني…) حيث تغنت بصورة أقرب للمناجاة الإنسانية الدافئة، فجاءت أجمل وأصدق وأعمق إحساساً من أي غناء يحكمه لحن أو صنعة، وذلك على الرغم من أنها كانت قد أصيبت بورم خبيث كان كفيلا بإسكات أي صوت، لكنها كانت تجد حياتها وانتصارها على العذاب في الغناء حتى آخر قطرة من ماء الحياة.
ومن تجليات عنادها الأسطوري أنها ظلت تغني حتى قبل وفاتها بأسابيع وسجلت واحدة من أروع أغنياتها وهي ممددة على كرسي وهي أغنية “لا يا روح قلبي أنا” من كلمات حسين السيد وألحان عملاق الكلاسيكية العربية رياض السنباطي، وكانت تقطع تسجيل الأغنية بموجات ألم معذبة ثم تعود للغناء في معركة إرادية أسطورية مع المرض، وعندما انتهت من التسجيل انهارت في نوبة ألم رهيب وأبكت كل من كان في استوديو التسجيل. وكذلك فعلت في أغنية “الله الله ع المستقبل” التي غنتها بإبداع حقيقي والمرض اللعين يمتص آخر قطرات رحيق الحياة منها.
وعودة لرائعتها “حبيبي يا متغرب” فإنها قدمت أداءا مبهرا من عمق إحساسها الذي لا يُضَاهى ورنة صوتها الفريدة والمجسمة وزخارف الغناء العربي التي منحتها الطبيعة إياها كعناقيد لا نهائية في كرمة فياضة الكرم. وعندما استدعى اللحن استحضار قوة صوتها بالذات في منطقة الجواب فإنها قدمت أداءا جبارا تمتزج فيه القوة بعمق الإحساس في مزيج فريد تملك وحدها سره وسحره.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
