السبت , 3 أكتوبر 2026

ابتهال عبد الوهاب تكتب.. فلسفة الملل .. حين تصبح الحياة أضيق من أسئلتنا

هناك لحظات لا يحدث فيها شيء.. لا خبر سيئا يصل، ولا كارثة تقع، ولا أحد يغادر، ولا شيء ينكسر أمام أعيننا.
ومع ذلك نشعر، بطريقة غامضة، أن شيئا في الداخل قد انطفأ.
نجلس في المكان نفسه الذي جلسنا فيه بالأمس، نرى الأشياء نفسها، نسمع الأصوات نفسها، نفتح الهاتف نفسه، نمر على الوجوه نفسها، وننجز ما اعتدنا إنجازه… لكن شيئا ما لا يعود يشبهنا.
لا نستطيع أن نسميه حزنا. ولا هو تعب. ولا هو اكتئاب بالضرورة.
إنه ذلك الشعور المراوغ الذي يجلس إلى جوارنا دون أن يتكلم:
الملل.
لكنني لا أعتقد أن الملل دائما يعني أن الحياة فارغة.
أحيانا يكون العكس تماما.
أحيانا يكون الملل هو اللحظة التي تكتشف فيها أن الحياة أصبحت أضيق من أسئلتك.. وأن المكان الذي اعتدت أن تسكنه لم يعد يتسع لك.
وأن الروتين الذي كان يمنحك الأمان بدأ يتحول إلى قفص.
وأنك لم تعد بحاجة إلى مزيد من الأشياء، وإنما إلى معنى جديد للأشياء الموجودة.
لهذا أعتقد أن الملل ليس دائما فراغا في الحياة.
أحيانا يكون احتجاجا صامتا على حياة لا تشبهنا.
ولكن لماذا نشعر بالملل؟
السؤال يبدو بسيطا، لكنه ليس كذلك.. فالإنسان يستطيع أن يشعر بالملل في أكثر الأماكن ازدحاما، وفي أكثر الأيام نجاحا، وحتى وسط أشخاص يحبهم.
وقد يعيش إنسان حياة شديدة البساطة دون أن يشعر بالملل، بينما يعيش آخر وسط السفر والعمل والناس والأحداث، ويشعر بأن كل شيء يتكرر.
إذن ليست كثرة الأشياء هي التي تهزم الملل. ولا ندرة الأشياء هي التي تصنعه.
ربما المسألة أعمق: علاقة الإنسان بما يعيشه.
حين تتوقف الحياة عن مفاجأتنا، يبدأ الملل.
وحين نتحول نحن إلى نسخ متوقعة من أنفسنا، يبدأ الملل.
وحين نعرف مسبقا ماذا سنفعل، وماذا سنقول، وماذا سيحدث، وماذا سيقوله الآخرون، تصبح الأيام متشابهة حتى لو تغيرت تواريخها.. يبدأ الملل
فالملل ليس أن يتكرر اليوم.
الملل أن يتكرر الإنسان داخل اليوم.
عند هايدغر، يصبح الملل أكثر من شعور عابر.
إنه حالة وجودية تكشف للإنسان شيئا عن علاقته بالعالم.
في الملل العميق لا يكون الشيء مملا بالضرورة.
قد لا يكون هناك شيء محدد نستطيع أن نشير إليه ونقول: هذا ما يزعجني.
كل شيء يبدو موجودا، لكن لا شيء يبدو قادرا على جذبنا.
العالم لا يختفي. بل يفقد بريقه.
الأشياء حولنا تبقى في أماكنها، لكنها تفقد قدرتها على استدعائنا.
وهنا تصبح تجربة الملل مرآة قاسية:
ربما ليست المشكلة أن العالم فقد معناه، وإنما أننا فقدنا علاقتنا بالمعنى.
ولهذا قد يكون الملل أحيانا دعوة إلى الاستيقاظ.
أن نسأل:
ماذا حدث لي؟
متى أصبحت الأشياء التي كانت تدهشني عادية؟
متى توقفت عن السؤال؟
متى تحولت الحياة إلى قائمة مهام؟
ومتى أصبحت أعيش لأن علي أن أعيش، لا لأنني أشعر أنني أعيش؟
أما شوبنهاور، فيأخذنا إلى منطقة أكثر تشاؤما.
فالإنسان، في رؤيته، يتأرجح بين الألم والملل؛ نريد شيئا، فنظل قلقين حتى نحصل عليه، ثم حين نحصل عليه يفقد بريقه، فنبدأ في البحث عن شيء آخر.
نرغب.
نسعى.
نصل.
نشبع.
ثم نشعر بالفراغ.
ثم نرغب من جديد.
كأن الرغبة هي التي تدفع عجلة الحياة، وكأن إشباعها لا يمنحنا دائما السعادة التي تخيلناها.
وهنا تكمن إحدى مفارقات الإنسان المعاصر:
لقد امتلكنا وسائل لا حصر لها لقتل الملل، لكننا لم نعرف بالضرورة كيف نعيش.
لدينا آلاف الأفلام، وملايين الصور، وموسيقى لا تنتهي، وأخبار لا تتوقف، وهواتف تستطيع أن تفتح أمامنا العالم كله.. ومع ذلك يمكن للإنسان أن يشعر بفراغ هائل.
لأننا أحيانا لا نحتاج إلى مزيد من المثيرات.
نحتاج إلى شيء يجعل وجودنا جديرا بالانتباه.
وهنا أصل إلى علاقتي الشخصية بالملل.
أنا لا أخاف الملل. ولا استسلم له
لكنني أتعامل معه كإشارة.
حين أشعر أن الأيام أصبحت متشابهة، لا أسأل نفسي:
بماذا أقتل الوقت؟
هذا السؤال في حد ذاته يزعجني.
لماذا نريد دائما أن نقتل الوقت؟
أليس الوقت هو الشيء الوحيد الذي لا نستطيع استعادته؟
أنا أسأل سؤالا آخر:
ماذا يريد هذا الملل أن يقول لي؟
أحيانا يكون الجواب واضحا.
ربما أحتاج إلى تغيير.
ربما أحتاج إلى الابتعاد عن مكان أو شخص أو نمط حياة.
ربما عقلي يحتاج إلى سؤال جديد.
وربما أكون قد أمضيت وقتا طويلا في شيء لم يعد يضيف إلي شيئا.
لهذا لا أهرب من الملل دائما. بل أجلس معه.
أراقبه.
أتركه يتكلم.
فقد يكون الملل في بعض الأحيان أكثر صدقا من الانشغال.
الانشغال يستطيع أن يخدعنا.
يمكننا أن نملأ اليوم بالعمل والرسائل والمواعيد والضجيج، فقط كي لا نسمع السؤال الموجود في الداخل.
أما الملل فيجبرنا على مواجهته.
أنا أواجه الملل بالكتابة.
لا لأن الكتابة تسليني، وإنما لأنها تحول الفراغ إلى سؤال.
حين أشعر أن شيئا ما في داخلي يريد أن يتكلم، أكتب.
قد تبدأ الفكرة صغيرة جدا.
كلمة… مشهد.. سؤال.. جملة سمعتها… وجه مر في الشارع… شجرة وقفت أمامها.ثم يبدأ السؤال في النمو.
وهكذا يصبح الملل مادة خاما للفكر.
أحيانا أكتب لأنني لا أعرف ماذا أفعل.
ثم أعرف، وأنا أكتب، ماذا كان ينقصني.
وهذا أحد أسرار الكتابة بالنسبة إلي:
أنها لا تقتل الملل؛ إنها تستخرج منه معنى.
وأواجه الملل أيضا بالفضول.
أقرأ كأنني لم أعرف شيئا من قبل.
أذهب إلى فكرة لا أعرفها.
أفتح كتابا لا يشبه الكتب التي اعتدت قراءتها.
أدخل منطقة فكرية لا أعرف إلى أين ستقودني.
فالفضول هو العدو الطبيعي للملل.
الإنسان الذي ما زال يسأل لا يستطيع أن يكون مملا تماما، حتى لو كان جالسا في غرفة واحدة.
السؤال يفتح نافذة.
والفكرة تفتح بابا.
والدهشة تعيد للوقت حركته.
لذلك أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يشعر بالملل، وإنما أن يفقد فضوله تجاه العالم
وأحيانا أواجه الملل بأن أغير شيئا صغيرا.
لا أحتاج دائما إلى ثورة.. قد أغير المكان.. أمشي بلا هدف.أجلس وحدي.
ألتقي شخصا لم أره منذ وقت.
أقرأ شيئا مختلفا.
أعيد ترتيب المكان.
أذهب إلى مدينة احبها
أستمع إلى موسيقى قديمة. او الي اغنياتي المفصل
أجلس أمام البحر.
أمشي تحت المطر.
فالإنسان ليس آلة تحتاج دائما إلى إنجازات ضخمة كي تشعر بالحياة.
أحيانا يكفي أن نخرج من الطريق الذي حفظناه
لكنني أعتقد أن هناك مللا أعمق من ملل الروتين.
إنه ملل الوجود.
ذلك السؤال الذي لا علاقة له بما سنفعله مساء اليوم، وإنما بما نفعله بحياتنا كلها.
لماذا أعيش؟
إلى أين أمضي؟
هل ما أفعله يشبهني؟
هل أريد هذه الحياة فعلا؟
هل أعيش وفق اختياراتي أم وفق ما اعتدت عليه؟
هل أنا الشخص الذي أردت أن أصبحه؟
هنا يصبح الملل فلسفة.
لأنه لا يعود سؤالا عن الوقت، وإنما عن المعنى.
وربما لهذا كان كامو مهما في التفكير في الحياة.
فالإنسان يبحث عن المعنى، بينما العالم لا يقدم له دائما إجابة جاهزة.
وهنا تظهر العبثية.
لكنني لا أرى أن اكتشاف العبث يجب أن يقودنا إلى الاستسلام.
ربما العكس.
ربما حين نكتشف أن الحياة لا تقدم لنا معناها جاهزا، تصبح مهمتنا أن نصنع معناها بأنفسنا.
أن نكتب.
أن نحب.
أن نفكر.
أن نترك أثرا.
أن نعيش رغم عدم وجود ضمانات.
أن نصنع من وجودنا إجابة شخصية على سؤال الوجود
أحيانا أتساءل:
هل نحن نمل لأن الحياة لأن توقعاتنا منها أصبحت ضخمة إلى درجة يستحيل معها أن ترضينا؟
نريد حياة استثنائية.
نري أن يكون كل يوم ممتعا.
نريد أن نكون سعداء طوال الوقت.
نريد النجاح والحب والسفر والإنجاز والدهشة.
ثم نتفاجأ بأن الحياة تحتوي أيضا على أيام صامتة، وأيام متشابهة، وأيام لا يحدث فيها شيء.
لكن ربما هذا طبيعي.
فليست الحياة حفلا متواصلا.
وليست كل لحظة مطالبة بأن تكون عظيمة.
هناك أيام مهمتها الوحيدة أن تمر.
وهذا لا يعني أنها بلا قيمة.
قد يكون الهدوء نفسه جزءا من الحياة.
وقد يكون الفراغ أحيانا مساحة يتنفس فيها العقل.
ولهذا لا أريد أن أحارب كل ملل
أخطر أنواع الملل، في رأيي، هو أن يعتاد الإنسان حياته إلى درجة يتوقف فيها عن السؤال إن كان سعيدا.
أن يقول: هكذا هي الحياة.
هذه الجملة القصيرة قد تكون قبرا كاملا.
هكذا هي الحياة؟
ومن قال؟
ومن قرر أن الطريق الذي نمشي فيه هو الطريق الوحيد؟
ومن قال إن ما اعتدناه هو ما نريده؟
ربما يكون جزء كبير من نضج الإنسان هو أن يجرؤ، بين حين وآخر، على أن ينظر إلى حياته من الخارج.
أن يسأل نفسه:
لو التقيت نفسي اليوم لأول مرة، هل سأختار أن أعيش هذه الحياة؟
السؤال مؤلم.
لكنه ضروري
وأعتقد أن المرأة التي أكونها اليوم لا تستطيع أن تعيش طويلا في حياة مغلقة.
أنا بطبيعتي أحتاج إلى الحركة الفكرية.
أحتاج إلى الكتابة.
إلى السؤال.
إلى الاختلاف.
إلى الكتب.
إلى الناس الذين يضيفون إلي شيئا.
إلى الأفكار التي تزعج يقيني.
أشعر بالاختناق حين يصبح كل شيء متوقعا.
حين تصبح الكلمات محفوظة.
والحوارات مكررة.
والأيام نسخة عن أيام سابقة.
لذلك ربما لا يكون عدوي الحقيقي هو الملل.
عدوي الحقيقي هو الجمود.
فالملل يمكن أن يكون بداية حركة.
أما الجمود فهو أن أشعر بالملل ثم أقرر أن أعيش معه.
أن أعرف أن شيئا ما لا يشبهني ثم لا أغيره.
أن أشعر بأن حياتي تضيق ثم أتعلم كيف أتنفس في الضيق.
أن يصبح الاعتياد بديلا عن الحياة.
وهذا ما اريده
أريد أن أظل امرأة يمكن أن تغير رأيها.
يمكن أن تتعلم شيئا جديدا.
يمكن أن تبدأ مشروعا جديدا.
يمكن أن تكتب عن موضوع لم تكتبه من قبل.
يمكن أن تذهب إلى مكان لم تذهب إليه.
يمكن أن تكتشف في نفسها منطقة لم تكن تعرفها.
لا أريد أن أصبح سجينة النسخة التي صنعتها عن نفسي.
حتى صورتي عن نفسي أريد أن أترك فيها نافذة مفتوحة.
فربما تكون الحياة الحقيقية هي تلك المساحة التي لم نكتشفها بعد في أنفسنا
والملل، في النهاية، ليس دائما عدوا.
وأحيانا يكون الملل رسول غامض يجلس أمامنا ويقول:
لقد انتهى شيء.
كيف أتخلص من الملل
ربما تكون الحياة الممتعة هي التي نظل فيها قادرين على رؤية ما يحدث.
أن نرى الضوء على جدار.
أن ننتبه إلى صوت المطر.
أن نسمع جملة فتوقظ فينا فكرة.
أن نقرأ كتابا فنكتشف أننا لسنا الشخص نفسه بعد الصفحة الأخيرة.
أن نجلس مع شخص فننسى الوقت.
أن نحب شيئا دون أن نحتاج إلى تبرير حبنا له.
أن نستطيع أن نقول:
اليوم لم يحدث شيء عظيم.
لكنني كنت حاضرة.
وهذا يكفي.

شاهد أيضاً

محافظ بورسعيد يتفقد مقر جمعية نور الرحمن لذوي الهمم بحي العرب..

المحافظ يوجه بإعداد عرض متكامل لموقف الجمعية وبحث تطوير المقر الحالي أو توفير مقر بديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *