السبت , 10 أكتوبر 2026

حسام بدراوي يكتب.. العلم يفتح للبشرية عينًا ثالثة من الجليدٍ في قاع العالم ترى ما لا يُرىنوبل الفيزياء ٢٠٢٦

في هذه الثانية، وأنت تقرأ هذا السطر، يعبر جسدَك من الجسيمات عددٌ يفوق عددَ كل البشر الذين عاشوا على هذه الأرض منذ فجر التاريخ. تمر من جلدك وعظامك وقلبك، ثم تخرج من الجهة الأخرى، وتواصل طريقها عبر الكرة الأرضية كلها كأنها لم تلمس شيئًا. لا تشعر بها، ولا تؤذيك، ولا تترك فيك أثرًا. يسميها العلماء «النيوترينو»، ويسميها الناس «الجسيمات الشبحية».
هذا العام ذهبت جائزة نوبل في الفيزياء إلى رجلٍ أمضى قرابة أربعين عامًا يحاول أن يصطاد هذه الأشباح: العالم البلجيكي الأمريكي فرانسيس هالزن، ابن الثانية والثمانين، الأستاذ بجامعة ويسكونسن–ماديسون، تقديرًا لإسهاماته الحاسمة في إقامة مرصد «آيس كيوب» للنيوترينو، واكتشاف نيوترينوات عالية الطاقة قادمة من أعماق الكون.
وأريد أن أحكي القصة بلغةٍ بسيطة، لا لأن تفاصيلها التقنية هي الأهم، بل لأن فيها درسًا في الخيال والصبر والجمال، أظن أننا في أشد الحاجة إليه.
رسولٌ أمين.. لا يُمسَك
كل ما نعرفه عن الكون تقريبًا عرفناه من الضوء. لكن الضوء رسولٌ جميل غير أمين تمامًا؛ يحجبه الغبار الكوني، وتمتصه سحب الغاز، فلا يصلنا من أعنف أركان الكون إلا القليل. وهناك جسيمات أخرى تأتينا من الفضاء بطاقات هائلة، لكنها مشحونة كهربائيًا، فتتقاذفها المجالات المغناطيسية في رحلتها الطويلة، كرسالةٍ عبثت بها الرياح فلم نعد نعرف من أي بابٍ خرجت.
أما النيوترينو فرسولٌ من طرازٍ آخر: لا شحنة له، وكتلته ضئيلة إلى حدٍّ يكاد يكون عدمًا، ولا يكاد يتفاعل مع شيء. ولهذا بالذات هو الرسول الأمين؛ يخرج من قلب انفجارٍ نجمي، أو من جوار ثقبٍ أسود عملاق، فيعبر الغبار والمجرات والمجالات، ويصلنا بعد ملايين السنين على خطٍّ مستقيم، دون أن يفقد طاقته أو يغيّر وجهته. فإن أمسكنا به عرفنا من أين جاء بالضبط.
وهنا المفارقة الجميلة: الصفة التي تجعله أمينًا هي نفسها التي تجعله عصيًّا على الإمساك. فكيف تصطاد شيئًا يعبر الأرض كلها دون أن يصطدم بذرةٍ واحدة؟
فكرةٌ بدت جنونًا
عام ١٩٨٨ طرح هالزن فكرةً بدت لكثيرين أقرب إلى الخيال. قال: إذا كان النيوترينو نادر التصادم، فلنضع في طريقه كميةً هائلة من المادة، فإذا اصطدم واحدٌ من بين المليارات بنواة ذرة، تولّدت عن الاصطدام ومضةُ ضوءٍ زرقاء خافتة. ولكي نرى هذه الومضة نحتاج إلى وسطٍ ضخم، شفاف، مظلم تمامًا، وهادئ تمامًا.
ولم يجد أفضل من جليد القطب الجنوبي: جليدٌ تراكم عبر آلاف السنين، نقيٌّ إلى حدٍّ مدهش، مضغوطٌ حتى خرجت منه الفقاعات، يعيش في ظلامٍ دامس على عمق كيلومترين، فوق أرضٍ مستقرة لا تعرف الزلازل. نظر الرجل إلى صحراءٍ بيضاء لا يرى فيها غيرُه إلا البرد، فرأى فيها عينًا.
كيف تُبنى عينٌ من جليد؟
بدأ الأمر بتجربةٍ أولى أصغر، ثم جاء المشروع الكبير. أذاب العلماء الجليد بالماء الساخن ليحفروا عشرات الآبار العميقة، وأنزلوا فيها ٥١٦٠ حسّاسًا ضوئيًا، معلقةً كحبات المسبحة على أعماقٍ تتراوح بين ١٤٥٠ و٢٤٥٠ مترًا. فصار لدينا كيلومترٌ مكعب كامل من الجليد يعمل كعينٍ واحدة. ولكي تتخيل حجمه: هو مكعبٌ يعلو ضلعُه على أعلى برجٍ في العالم، ويتسع لنحو أربعمائة هرمٍ في حجم هرم خوفو. اكتمل البناء عام ٢٠١١.
والأعجب أن هذه العين لا تنظر إلى السماء فقط، بل تنظر إليها أيضًا عبر الأرض نفسها. فالكرة الأرضية تعمل كمصفاةٍ عملاقة تحجب كل الجسيمات الأخرى، ولا يعبرها إلا النيوترينو. فإذا جاءت الومضة من أسفل، علم العلماء أن الطارق رسولٌ عبر الكوكب كله ليصل إليهم.
وفي الشتاء القطبي الطويل، حين تهبط الحرارة إلى ما دون خمسين درجة تحت الصفر ولا تستطيع الطائرات الهبوط، يبقى فريقٌ صغير من البشر وحدهم هناك، يحرسون العين ويُبقونها مفتوحة.
ماذا رأت العين؟
بعد سنواتٍ قليلة من التشغيل، التقطت العين أول نيوترينوات بطاقاتٍ لا يمكن أن تكون قد وُلدت في غلافنا الجوي ولا في شمسنا؛ رسائلُ جاءت من خارج المجموعة الشمسية بيقين. ثم في ٢٠١٧ التقط المرصد نيوترينو واحدًا، فأطلق إنذارًا آليًا، فاستدارت تلسكوبات العالم خلال ساعات نحو النقطة نفسها، لتجد مجرةً بعيدة يقذف قلبُها، حيث ثقبٌ أسود هائل، نافورةً من المادة باتجاهنا مباشرة، على بعد مليارات السنين الضوئية. كانت تلك أول مرة نتتبع فيها رسولًا شبحيًا إلى بيته.
وتوالت الاكتشافات، حتى رسم العلماء صورةً لمجرتنا، درب التبانة، لا بالضوء هذه المرة بل بالنيوترينو؛ كأن البشرية فتحت عينًا ثالثة لم تكن تعلم أنها تملكها.
ولما أُعلنت الجائزة، قال هالزن إنها فاجأته، وإن علم «فلك النيوترينو» ما زال في بدايته، وإن الأمتع لم يأتِ بعد. وأضاف أنه يتمنى أن تكون الجائزة تكريمًا للشجعان الذين انضموا إليه في البداية، حين كانت الفكرة لا تزال تبدو مغامرة.
وما شأننا نحن؟
قد يسأل القارئ: وما حاجتي إلى جسيمٍ لا أراه، يأتي من مجرةٍ لن أزورها؟ وأجيب بأربع ملاحظات.
الأولى: أن الخيال يسبق الأدوات. لم يخترع هالزن مادةً جديدة، بل نظر إلى شيءٍ موجود منذ آلاف السنين ورآه بطريقةٍ لم يرها أحدٌ قبله. والعلم في جوهره ليس حفظ الإجابات، بل القدرة على رؤية المألوف بعينٍ جديدة.
الثانية: أن الصبر جزءٌ من العبقرية. بين الفكرة واكتمال المرصد ثلاثةٌ وعشرون عامًا، وبينها وبين الجائزة ثمانيةٌ وثلاثون. في زمنٍ يطالب كل شيءٍ بنتيجةٍ فورية، يذكّرنا هذا الرجل بأن الأشياء العظيمة تنضج ببطء.
الثالثة: أن العلم الكبير عملٌ جماعي. مئات العلماء من عشرات المؤسسات في بلدانٍ شتى اجتمعوا حول فكرةٍ واحدة، فالجائزة وإن حملت اسم رجلٍ واحد، هي شهادةٌ لروح الفريق.
الرابعة: أن الأسئلة التي تبدو بلا فائدة هي التي صنعت عالمنا. فالكهرباء والأشعة السينية والأقمار التي تهدينا الطريق في هواتفنا، كلها خرجت من فضول علماء سألوا
أسئلةً لم يكن لها يومها أي «عائد» واضح.
وأعترف أنني، وقد أمضيت عمرًا مشغولًا بالتعليم، أقرأ هذه الحكاية فأفكر في أبنائنا. نحن نعلّمهم الإجابات، ونادرًا ما نعلّمهم الدهشة. نطالبهم بحفظ القوانين، ولا نحكي لهم أن وراء كل قانونٍ إنسانًا تساءل، وتجرأ، وانتظر. ولو حكينا لهم قصةً كهذه بالشغف الذي تستحقه، لربما خرج من بينهم من يبني يومًا عينًا جديدة للبشرية.
خاتمة
أجمل ما في جائزة هذا العام أنها تعلّمنا التواضع: فما لا نراه ليس بالضرورة غير موجود، والعالم أوسع كثيرًا مما تلتقطه حواسنا. وتعلّمنا الأمل أيضًا: فما عجزت عنه عيوننا، قد تراه عينٌ من جليدٍ صنعها عقلٌ إنساني في أقصى الأرض.
في اللحظة التي تطوي فيها هذه الصحيفة، تكون قد مرّت عبرك تريليوناتٌ من رسائل الكون. لم تقرأها، ولن تشعر بها.. لكن أحدهم، في قاع العالم، تعلّم كيف يقرؤها.

شاهد أيضاً

مصر تشارك في المنتدى العالمي الثاني عشر لقيادات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

كتب عادل البكل شاركت مصر، ممثلةً في وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ومعهد تكنولوجيا المعلومات، في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *