السبت , 10 أكتوبر 2026

السفير عبدالرحيم شلبي يكتب .. غزة: شروط مسبقة وجرأة سياسية مصرية

منذ بعض الوقت كتبت أن الأزمات الكبرى تحتاج إلى حلول كبرى، وهذه القاعدة تصلح لغزة أكثر من غيرها. فمع الكارثة الإنسانية والدمار الهائل ينصرف التفكير إلى المساكن والمستشفيات والمياه والكهرباء، لكن هناك سؤالاً أسبق: ماذا نبنى، ولأى مستقبل؟ فالمساعدات الإنسانية لا تنتظر، أما الإعمار الشامل فهو بناء مجتمع ومؤسسات واقتصاد لعقود. وإذا أعدنا بناء المبانى قبل أن نحدد الإطار السياسى الذى ستعيش فيه غزة، فقد نعيد بناءها اليوم لكى تُدمر غداً.
وأبدأ بما يجب أن يكون واضحاً من الجانب المصرى. فمصر لا تريد العودة بغزة إلى الماضى، لا إلى إدارة مصرية كما قبل 1967، ولا إلى الحصار والانقسام الذى لم يمنع تكرار الحرب. ولا ترى فيها امتداداً لأرضها، بل جزءاً أصيلاً من وطن فلسطينى تقوم عليه دولة مستقلة ذات سيادة. وهذا هو الأساس لكل ما بعده.
ومن هنا أرى أربعة شروط مسبقة قبل الإعمار الشامل. الأول وجهة سياسية واضحة تجعل غزة والضفة وحدة واحدة، وتجعل الإعمار خطوة نحو الدولة لا بديلاً عنها ولا وسيلة لكيان منفصل. الثانى إطار دولى انتقالى تتعامل معه مصر والمانحون، وهو قائم بالفعل فى مجلس السلام الذى يرأسه الرئيس ترامب ويشرف على المرحلة الانتقالية والإعمار، بينما تتولى اللجنة الوطنية لإدارة غزة، وهى لجنة فلسطينية من التكنوقراط، الإدارة المدنية والخدمات. وقد بدأت اللجنة عملها من القاهرة ولم تدخل غزة بعد. فالمطلوب ليس آلية جديدة، بل التأكد من أن القائمة تعمل فى الاتجاه الصحيح، وأن الإدارة المؤقتة تظل مرتبطة بمسار يؤدى إلى وحدة الأراضى الفلسطينية والدولة. الثالث ترتيب أمنى متفق عليه: من يحرس المعابر والقوافل ومواقع البناء، وما الدور الفلسطينى، وما الدعم العربى والمصرى، لأن الإعمار لا ينجح فى بيئة تعيد إنتاج الحرب. والرابع غطاء عربى ودولى يقر هذا الإطار قبل أن تتحرك الأموال الكبيرة.
وهنا تبدأ أهمية الدور المصرى. فمصر الدولة العربية الوحيدة التى ترتبط بغزة بحدود برية، ولها تاريخ مع مختلف الأطراف الفلسطينية وعلاقات إقليمية ودولية، وهى عضو فى مجلس السلام، واستضافت الاجتماع الأول للجنة. لكن هذه المزايا لا تضمن شيئاً تلقائياً. أمام مصر خياران: دور جغرافى ولوجستى، تفتح فيه المعابر وتسهل المواد وتستقبل المصابين وتنفذ ما يقرره غيرها، وهو مفيد لكنه لا يمنحها أثراً كافياً فى شكل غزة القادمة؛ أو أن تستخدم موقعها داخل الآلية، وعلاقاتها مع الفصائل والسلطة والعرب والولايات المتحدة، لكى تدفع نحو الإطار السياسى والأمنى نفسه، فلا تتحول الإدارة الانتقالية إلى بديل دائم عن الدولة ولا يصبح الإعمار هدفاً منفصلاً عن التسوية. وهذا الدور الثانى يحتاج إلى جرأة سياسية.
أما إسرائيل، فهى تعرف أن طرفاً عربياً يعرف الأرض ويملك قنوات مع الفلسطينيين وله مصلحة مباشرة فى منع الحرب على حدوده يمكن أن يكون جزءاً من ترتيبات الاستقرار، والبدائل من فراغ أمنى أو إدارة بلا أساس سياسى أو ترتيبات عسكرية مفتوحة تحمل مخاطرها. ولذلك ينبغى ألا يُطرح توسيع الدور المصرى تنازلاً لمصر، بل جزءاً من الاستقرار. وإذا اعترضت إسرائيل، فلمصر أدوات فى حوارها معها ومع واشنطن والعواصم العربية والأوروبية، وهذا رأسمال تستثمره لثلاثة أهداف معاً: دولة فلسطينية مستقلة، وأمن الحدود، ومصالح مصر الاقتصادية فى الإعمار.
ولا يخلو الطريق من مخاطر. سياسياً، قد تعطل أطراف فلسطينية مسلحة المسار خوفاً على موقعها، وقد يسعى اليمين الإسرائيلى إلى إبقاء غزة منفصلة عن الضفة وغير قابلة للحكم، وقد تُحمّل مصر مسؤولية إخفاقات فى ترتيبات لم تضعها وحدها. اقتصادياً، قد تتحمل مصر تكاليف مبكرة وهى تحت ضغط اقتصادى، ويزداد ضغط التهجير نحو سيناء إذا تعثر الإعمار. مالياً، كثيراً ما يعد المانحون ولا يدفعون، فالأفضل دفعات على مراحل مرتبطة بالتقدم وخاضعة لمراجعة شفافة. أمنياً، ستكون القوافل والمقاولون والمعابر ومواقع البناء أهدافاً لمن يريد إفشال الترتيبات، وقد تُنفذ عمليات لإفشال التهدئة وإلصاق التهمة بغيره، والسؤال حينئذ من يستفيد من الفشل لا من نفذ فقط.
فماذا تستطيع مصر أن تفعل؟

تفعّل المسار الفلسطينى فى القاهرة وتقرب بين الفصائل والسلطة وتدعم تعاونهما مع اللجنة ومجلس السلام، فيكون الانتقال الإدارى جزءاً من مسار فلسطينى أوسع. وتجعل معبر رفح منظماً ومراقباً مع رفض معلن ومتكرر للتهجير إلى سيناء. وتربط المال بالتقدم فى الإدارة والأمن وبناء المؤسسات. وتؤجل دور الشركات المصرية إلى المراحل المناسبة حتى لا يقال إنها دخلت من أجل العقود، فالمصداقية السياسية أهم من أى عقد. وتحدد مسبقاً كيف ينتهى كل دور تقوم به ومن يتسلمه، حتى لا يصبح التدخل المؤقت التزاماً مفتوحاً.
فالمعادلة ليست أن تدفع مصر ثمناً سياسياً لتحصل على عقود، بل إن الدور الاقتصادى الكبير يحتاج إلى أساس سياسى كبير، وهى تملك ما يؤهلها له إذا قبلت مخاطره. وغزة تحتاج إلى قرار سياسى بشأن ما نبنيه، ولمن، وتحت أى سلطة، وإلى أين يقود. ومصر، التى لا تريد لغزة أن تعود إلى ماضيها وتراها جزءاً من وطن فلسطينى يتجه إلى دولته، ليست خارج الإطار الذى سيقرر مستقبلها، بل داخله. والسؤال ليس هل تستطيع مصر أن تدخل هذا المسار، فقد دخلته بالفعل، بل هل تستخدم موقعها فيه بالجرأة السياسية التى تسمح لها بالتأثير فى شكل غزة التى ستُبنى والمستقبل الذى ستعيش فيه.

مساعد وزير الخارجية الأسبق

شاهد أيضاً

​الملك محمد السادس: المغرب يقف على أعتاب منعطف تاريخي لترسيخ مكانته كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة

​كتب عادل البكل ​أكد العاهل المغربي، الملك محمد السادس، أن المملكة المغربية تقف اليوم على …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *