حين تصبح السياسة جزءاً من المشهد من يضمن ألا تتحول خشبة المسرح إلى هامش؟
ليس المسرح العراقي غريباً عن السياسة ولم تكن الخشبة العراقية يوماً معزولة عن التحولات التي عاشها المجتمع فمنذ زمن طويل ظل المسرح مساحة لطرح الأسئلة الكبرى ومواجهة الواقع وكشف التناقضات التي يعيشها الإنسان العراقي غير أن المشكلة لا تكمن في حضور السياسة داخل المسرح فالمسرح بطبيعته لا ينفصل عن الحياة العامة بل في طبيعة العلاقة التي تنشأ بين المؤسسة المسرحية والسلطة السياسية وفي مقدار المساحة التي تُمنح للفنان كي يفكر ويختلف ويعبر بحرية ، إن السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم ليس : ( هل تتدخل السياسة في المسرح ؟! )
بل : كيف يؤثر المناخ السياسي في فرص المسرحيين وفي توزيع الدعم والاهتمام وفي تحديد من يُمنح فرصة الظهور ومن يبقى خارج دائرة الضوء؟
سأبدأ بالموضوعات التي برأيي يكمن فيها العائق
( السياسة التي تتجاوز الخشبة )
تبدأ إشكالية المسرح مع السياسة حين تتجاوز السياسة حدود موضوع العرض المسرحي لتصل إلى البيئة التي يُنتج فيها هذا العرض فالمسرحي لا يحتاج إلى نص ممنوع حتى يشعر بحدود حركته قد يجد تلك الحدود في غياب الدعم أو ضعف الإمكانات أو صعوبة الحصول على فضاء للعرض أو في غياب المعايير الواضحة التي تضمن تكافؤ الفرص بين التجارب المسرحية ، وفي الحالة العراقية لا يمكن فصل واقع المسرح عن طبيعة إدارة المؤسسات الثقافية وأولويات الإنفاق العام وآليات اختيار المشاركات والتكريمات ومدى استقلال القرار الثقافي عن المصالح السياسية والشخصية ، فحين تتداخل العلاقات والنفوذ مع إدارة الشأن الثقافي أو تغيب الشفافية عن آليات الاختيار تظهر تساؤلات مشروعة حول العدالة في توزيع الفرص وحول ما إذا كان العمل الفني يُقيم وفق قيمته الجمالية والفكرية أم أن عوامل أخرى قد تتدخل في تحديد حضوره ، ولا يعني ذلك أن كل إخفاق مسرحي نتيجة تدخل سياسي مباشر أو أن كل عمل لم يحصل على التقدير قد تعرض للإقصاء لكن من الضروري أن تكون المعايير واضحة بما يكفي لتمنع الشكوك من التحول إلى أزمة ثقة بين المسرحي والمؤسسة التي يُفترض أن ترعى تجربته ، فالمشكلة لا تبدأ دائماً من قرار يمنع عرضاً مسرحياً بل قد تبدأ من غياب فرصة إنتاج أو عدم توفير قاعة للتدريب أو إهمال تجربة لا تمتلك شبكة علاقات تساعدها على الوصول وهكذا قد تتحول السياسة من موضوع يناقشه المسرح فوق الخشبة إلى عامل يؤثر فيمن يستطيع الوقوف عليها أصلاً .
( مسرح الشبيبة حضور لا يوازيه الاعتراف )
في خضم هذه الإشكاليات يبرز مسرح الشبيبة والذي هو أحد المجالات التي تستحق قراءة أكثر إنصافاً واهتماماً فالشباب الذين يدخلون المسرح لا يحملون بالضرورة الخبرة الطويلة أو العلاقات المؤسسية التي يمتلكها بعض أصحاب التجارب المتراكمة لكنهم يحملون طاقة البحث والرغبة في التجريب والاستعداد لمساءلة الأشكال المسرحية المألوفة ، ومع ذلك قد يجد المسرحي الشاب نفسه أمام مفارقة مؤلمة يُطلب منه أن يكون مبدعاً لكنه لا يمتلك دائماً فضاءً يعرض فيه ويُطلب منه أن يطور تجربته بينما تظل فرص التدريب والإنتاج والاستمرار محدودة ويُقال إن الشباب هم مستقبل المسرح لكن هذا المستقبل لا يُمنح دائماً مكاناً واضحاً في الحاضر ولعل أبرز ما يكشف هذه المفارقة هو واقع الفرق الشبابية والمستقلة التي تضطر في بعض الحالات إلى تحمل تكاليف تدريباتها وعروضها من إمكانات أعضائها الشخصية فإيجار القاعة والنقل والديكور والأزياء والمستلزمات التقنية ليست تفاصيل هامشية يمكن تجاوزها بالحماس وحده بل متطلبات أساسية لأي إنتاج مسرحي ، وحين تصبح هذه الأعباء أكبر من قدرة أعضاء الفرقة فإن استمرارها يتحول إلى معركة يومية وقد تضطر إلى تقليص نشاطها أو التوقف لا بسبب نفاد الأفكار أو غياب الموهبة بل بسبب غياب البيئة التي تساعدها على تحويل أفكارها إلى عروض حقيقية ،
وهنا تبرز عدة أسئلة : ( كيف يمكن أن نطالب الشباب بصناعة مسرح متجدد بينما لا تتوافر لبعضهم أبسط شروط العمل ؟ )
( وكيف نتحدث عن اكتشاف المواهب الجديدة إذا كانت هذه المواهب لا تجد فضاء ثابتاً للتدريب أو فرصة إنتاج تتيح لها اختبار قدراتها أمام الجمهور ؟
إن الموهبة التي لا تجد فرصة قد تنطفئ والتجربة التي لا تجد من يتابعها قد تتوقف والفرقة التي لا تستطيع تأمين تكاليف تدريباتها وعروضها قد تتفكك قبل أن تترك أثراً حقيقياً
( من يوزّع الفرص؟ ومن يصنع الاعتراف؟ )
تتصل مشكلة مسرح الشبيبة أيضاً بمركزية القرار الثقافي إذ إن تركز فرص الإنتاج والعرض والمشاركة في المهرجانات ضمن مؤسسات محددة قد يجعل وصول الفرق المستقلة أكثر صعوبة خصوصاً عندما لا تتوافر مسارات واضحة ومعلنة تتيح لها تقديم أعمالها والتنافس عليها ، وتزداد أهمية هذه المسألة حين يتعلق الأمر بالمهرجانات والجوائز والتكريمات فهذه الفعاليات لا تمنح الفنان حضوراً مؤقتاً فحسب بل قد تسهم في بناء اسمه وتوسيع فرصه المهنية وفتح أبواب جديدة أمام تجربته ولذلك فإن وضوح معايير الاختيار وشفافية لجان التحكيم وإعلان شروط المشاركة ليست إجراءات إدارية ثانوية بل ضمانات أساسية لبناء الثقة داخل الوسط المسرحي وعندما تغيب هذه الضمانات أو لا تكون الإجراءات مفهومة للمشاركين تظهر تساؤلات حول تكافؤ الفرص وقد تتعزز لدى بعض المسرحيين قناعة بأن العلاقات الشخصية أو النفوذ قد يؤثران في الوصول إلى المنصة ، إن الحديث عن هذه المشكلة لا يعني التشكيك في كل جائزة أو التقليل من قيمة كل تجربة حازت على الاعتراف بل يعني المطالبة ببيئة ثقافية تجعل الاستحقاق الفني قابلاً للفهم والتقييم وتحمي سمعة المهرجانات والمؤسسات من الشكوك ، فالعدالة الثقافية لا تتحقق بمجرد إتاحة المشاركة على الورق وإنما تحتاج إلى إجراءات منصفة ومعايير معلنة وفرص حقيقية أمام التجارب المختلفة سواء كانت صادرة عن مؤسسة كبيرة أم فرقة شابة لا تمتلك سوى إمكاناتها المحدودة ، وإذا كانت بعض المناصب والقرارات الثقافية تتأثر بالمحاصصة السياسية أو بالولاءات والعلاقات فإن معالجة ذلك تبدأ من بناء مؤسسات تعتمد الكفاءة والشفافية والمساءلة لا من إطلاق الأحكام العامة على جميع العاملين في القطاع الثقافي ، فالمسرح لا يحتاج إلى أن يكون ساحةً لتصفية الحسابات لكنه يحتاج إلى ضمانات تمنع تحول الاختلافات السياسية أو العلاقات الشخصية إلى عوامل تحدد مستقبل الفنان.
( حين يصبح الاعتراف امتيازاً لا استحقاقاً )
من أكثر المفارقات إيلاماً أن نحتفي بالشباب في الندوات والتصريحات ونصفهم بأنهم مستقبل المسرح العراقي بينما لا تتوافر لبعض تجاربهم فرص كافية للإنتاج والاستمرار والمشاركة في صناعة القرار الثقافي !!
إن الاعتراف الرمزي بالشباب لا يعوض غياب التمكين الفعلي فليس كافياً أن نمنحهم كلمات الثناء إذا كانوا يفتقرون إلى قاعات التدريب وفرص العرض والدعم الإنتاجي وبرامج التطوير المستمرة ، كما أن ضعف توثيق بعض التجارب الشابة وعدم منحها مساحة كافية في الدراسات النقدية والأرشفة المسرحية قد يؤديان إلى ضياع تجارب تستحق أن تكون جزءاً من ذاكرة المسرح العراقي فالتاريخ المسرحي لا يُصنع بالأسماء المعروفة وحدها بل أيضاً بالتجارب التي حاولت أن تفتح مسارات جديدة حتى إن لم تتمكن من الاستمرار ، وإذا لم تجد هذه التجارب من يوثقها ويناقشها فإن غيابها لن يكون خسارة لأصحابها فحسب بل خسارة للذاكرة الثقافية نفسها ، أما التكريم فينبغي ألا يتحول إلى غاية منفصلة عن العمل ولا إلى وسيلة لإنتاج أسماء لامعة من دون توفير شروط استمرارها فالمسرحي الشاب لا يحتاج إلى مجاملة تمنحه لقباً بل إلى فرصة حقيقية يختبر فيها موهبته وإلى نقد يناقش عمله بجدية وإلى مؤسسات تمنحه إمكانية التقدم والتطور.
( هل يخشى المسرح السياسي من الأسئلة الجديدة؟ )
من طبيعة الأجيال الجديدة أن تختلف في أسئلتها ولغتها وأشكال تعبيرها وقد يرى بعضهم في التجريب خروجاً عن المألوف بينما يراه آخرون ضرورة لتجديد الخطاب المسرحي وهذه الاختلافات طبيعية بل صحية ما دامت تُناقش على أساس فني وفكري ، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الاختلافات الجمالية إلى أحكام مسبقة أو حين يشعر الفنان بأن تناول موضوعات حساسة مثل الفساد والسلطة والحريات والتناقضات الاجتماعية قد يعرضه لضغوط مهنية أو اجتماعية وفي مثل هذه الظروف قد يلجأ بعض المسرحيين إلى تجنب موضوعات معينة أو تخفيف حدة أسئلتهم لا لأنهم فقدوا الرغبة في التعبير بل لأن البيئة المحيطة لا تمنحهم دائماً شعوراً كافياً بالأمان والاستقلال ، ولا ينبغي أن يُختزل هذا الأمر في الرقابة الرسمية وحدها فالضغوط قد تتخذ أشكالاً اجتماعية أو مؤسسية أو مهنية مختلفة كما أن وجود الحذر لدى بعض الفنانين لا يثبت وحده وجود منع سياسي مباشر لكنه يطرح ضرورة توفير مناخ يسمح بالتعبير الفني المسؤول، ويحمي حق الاختلاف والنقاش ، إن المسرح الذي يمنح مساحةً للأصوات المتعددة لا يتخلى عن النقد أو المعايير بل يتيح للأعمال أن تتنافس وللأفكار أن تتواجه وللجمهور أن يحكم أما إقصاء التجارب قبل أن تأخذ فرصتها فإنه يحرم المسرح من احتمال اكتشاف لغة جديدة أو رؤية لم تكن حاضرة من قبل ، ولا ينبغي أن يكون مسرح الشبيبة نسخةً مصغرة من تجارب الأجيال السابقة كما لا ينبغي أن يُعفى من النقد بحجة حداثة أصحابه المطلوب هو أن يُمنح حق المحاولة وأن يُقيَم فنياً بمعايير واضحة وأن تتاح له فرصة التطور من خلال الممارسة لا من خلال الانتظار.
( الأزمات السياسية وأثرها في استمرارية المسرح )
لا تتوقف آثار السياسة عند المؤسسات والقرارات بل تمتد إلى الظروف العامة التي يعيشها المسرحي العراقي فالأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية يمكن أن تؤثر في قدرة الفرق على التنقل واستقرار العروض وحضور الجمهور وتوفير التمويل واستمرار الأنشطة بين محافظة وأخرى ، وفي ظل محدودية الموارد ، تصبح الفرق المستقلة أكثر عرضة للتوقف خصوصاً عندما لا تمتلك مصادر تمويل ثابتة أو فضاءات دائمة للعمل وقد يجد بعض الفنانين أنفسهم مضطرين إلى الابتعاد عن المسرح أو تقليل نشاطهم بحثاً عن مصدر رزق أكثر استقراراً ، وهنا لا ينبغي النظر إلى ابتعاد الفنان عن المسرح بوصفه تخلياً عن الفن بالضرورة فقد يكون نتيجة ظروف معيشية لا تسمح له بالاستمرار في عمل لا يضمن الحد الأدنى من الاستقرار المادي ، إن بقاء المسرح العراقي حياً لا يعتمد على موهبة الفنان وحدها بل يحتاج أيضاً إلى بيئة اقتصادية وثقافية تسمح له بممارسة مهنته وإلى سياسات دعم لا تقتصر على الفعاليات الموسمية بل تؤسس لاستمرارية الإنتاج والتدريب والعرض.
( ما الذي يحتاجه مسرح الشبيبة؟ )
إن إنصاف مسرح الشبيبة لا يتحقق بالشعارات ولا بزيادة عدد الفعاليات التي تحمل اسمه فقط بل بإجراءات عملية يمكن قياس أثرها ، يحتاج الشباب إلى برامج إنتاج مخصصة تتيح للفرق المستقلة تقديم مشاريعها وفق معايير معلنة وإلى فضاءات تدريب وعرض بأسعار مناسبة وإلى دعم تقني ولوجستي يساعدهم على تحويل النصوص والأفكار إلى عروض مكتملة ، كما يحتاجون إلى نظام واضح للمشاركة في المهرجانات وإلى لجان تحكيم مستقلة قدر الإمكان وإلى فرص عادلة للظهور الإعلامي والنقدي ومن الضروري كذلك تطوير برامج تجمع أصحاب الخبرة بالمواهب الجديدة من دون أن تتحول الخبرة إلى وصاية تحد من حرية التجريب ، ولا بد من الاهتمام بالتوثيق والأرشفة وإقامة الندوات النقدية التي تناقش الأعمال بعد عرضها وتوفير مسارات متابعة تسمح للفرق بتطوير مشاريعها بدلاً من انتهاء علاقتها بالمؤسسات بانتهاء الفعالية ، وفي المقابل تقع على الشباب أنفسهم مسؤولية تطوير أدواتهم وتعميق قراءاتهم وتوسيع تجاربهم وعدم تحويل نقص الفرص إلى مبرر للتوقف أو إلى حكم مسبق على جميع المؤسسات والعاملين فيها فالنقد الحقيقي لا يكتفي بتشخيص المشكلة بل يسعى إلى فهمها واقتراح بدائل لها
إن المطلوب ليس امتيازات خاصة للشباب بل شروط عادلة تتيح لهم التنافس والإبداع وليس المطلوب إقصاء أصحاب التجارب الطويلة بل فتح المجال أمام الأجيال المختلفة لتعمل وتتبادل الخبرات من دون احتكار للفرص أو إلغاء للتجارب الجديدة.
( أخيراً المسرح ليس ملكاً لمرحلة واحدة )
إن العلاقة بين المسرح والسياسة لا تُقاس بمدى اقتراب الفنان من السلطة أو ابتعاده عنها بل بمدى قدرة البيئة الثقافية على حماية استقلال الفن وضمان تعدد الأصوات وتوفير شروط العمل الكريم للمسرحيين
ومسرح الشبيبة ليس تفصيلاً ثانوياً في الحركة المسرحية العراقية ولا مشروعاً مؤجلاً إلى حين انتهاء الأجيال الحالية من أدوارها إنه جزء من الحاضر ومن حقه أن يُرى ويُناقش ويُقيم ويُمنح فرصته
لسنا بحاجة إلى مسرح يصفق للشباب لأنهم شباب ولا إلى مؤسسة تمنحهم الاعتراف مجاملة بل إلى واقع ثقافي لا يضطر فيه المسرحي إلى البحث عن طريق شخصي كي يصل إلى حق يفترض أن يكون متاحاً للجميع
إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمامنا هو إذا كان المسرح العراقي قادراً على مساءلة المجتمع والسلطة والإنسان فهل يملك الشجاعة نفسها لمساءلة آلياته الداخلية ومعاييره وطريقة توزيعه للفرص؟
وإذا كانت السياسة تؤثر في شكل الحياة العامة فمن حقنا أن نسأل عن أثرها في المؤسسات الثقافية وعن الحدود الفاصلة بين الإدارة الثقافية وخدمة المصالح السياسية وعن قدرة الفنان على العمل من دون أن تتحول العلاقات أو الانتماءات إلى بوابات غير معلنة للعبور
إن خشبة المسرح تتسع لأكثر من جيل لكن العدالة هي التي تمنح كل جيل فرصته في الوقوف عليها وما لم يتحول الاهتمام بالشباب من خطاب احتفالي إلى ممارسة مؤسسية حقيقية فسيظل مسرح الشبيبة حاضراً في الوعود ومحدود الحضور في مواقع التأثير والاعتراف .
(فالمسرح لا يخسر حين يصعد شاب إلى الخشبة بل يخسر حين يُترك هذا الشاب خارجها ثم يُطلب منه أن يكون مستقبل المسرح )
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
