فصل: ظلٌّ يجلس بأدب الغرباء
قرأت هالة رسالة فتحي مرة أخرى، ثم وضعت الهاتف إلى جوار فنجان القهوة، وأخذت كراستها من فوق المكتب. لم تكن تعرف لماذا شعرت برغبة مفاجئة في الرد عليه بالكتابة، ربما لأن بعض الكلمات لا تستطيع أن تعبر من أفواهنا كما ينبغي، فتبحث عن الورق لتجد طريقها، وربما لأن فتحي كان من أولئك الذين يجعلونها تفكر طويلًا قبل أن تكتب، لا خوفًا من حكمه، بل لأنها كانت تحب أن تضع أمامه شيئًا يستحق أن يتوقف عنده. فتحت صفحة جديدة، ومررت أصابعها فوق الورق كأنها تتحسس مساحة آمنة لم تُكتب عليها أحزانها بعد، ثم أمسكت القلم وكتبت: «أرتشف قهوتي.. فلا شيء يُنقص ما حولي: شجرة تتنفس، سماء بلا عجلة، وظل يجلس إلى جواري بأدب الغرباء». توقفت عند كلمة «الظل»، وأعادت قراءتها في صمت. لم تكن تقصد ظلّ شجرة فحسب، ولا ذلك الامتداد الداكن الذي يصنعه الضوء حين يميل عن الأشياء، بل كانت تقصد شيئًا آخر لم تستطع أن تمنحه اسمًا واضحًا. كان ثمة إحساس يرافقها في الآونة الأخيرة، إحساس بأن بعض الحضور لا يحتاج إلى أن يقترب كثيرًا كي نشعر به، وأن بعض الأشخاص يتركون في حياتنا مساحة تشبه الظل؛ لا يفرضون أنفسهم علينا، ولا يطالبوننا بأن نكشف كل ما نخفيه، لكننا نعرف أنهم موجودون، وأن وجودهم يمنح وحدتنا شكلًا أقل قسوة. ابتسمت هالة وهي تتأمل السطر الأخير، ثم أضافت في هامش الصفحة: «ليس كل من يجلس إلى جوارنا يعرفنا، وليس كل من يعرفنا يملك الحق في الاقتراب». كانت هذه الفكرة تشغلها منذ مدة؛ تلك المسافة الدقيقة بين القرب الذي يطمئننا والقرب الذي يخنقنا، بين شخص يمنحنا الأمان لأنه لا يحاول امتلاكنا، وآخر يظن أن محبته تمنحه الحق في تفتيش أرواحنا ومحاسبتنا على كل صمت. كانت هالة لا تزال طالبة، تتعلم الحياة كما تتعلم دروسها، وتكتشف كل يوم أن الكتب تمنحنا إجابات كثيرة، لكنها لا تستطيع أن تعفينا من التجربة، وأن بعض الحقائق لا نفهمها حين نقرأها، بل حين نقف داخلها ونتألم بما يكفي كي نراها على حقيقتها. أعادت نظرها إلى رسالة فتحي. كان قد كتب عن مساء يسع السعادة في فنجان دافئ، وعن طبيعة لا تسألنا من نكون، بينما كتبت هي عن قهوة لا ينقصها شيء، وعن سماء لا تستعجل، وعن ظل يتصرف بأدب الغرباء. شعرت أن بين العبارتين حوارًا لم يبدأ عند إرسال الرسالة، بل بدأ منذ وقت أبعد، منذ تلك المرات التي كان فتحي يطرح فيها سؤالًا فتجد نفسها بعد ساعات تفكر في إجابة لم تقلها، أو يختلف معها في رأي فتعود إلى كراستها لتختبر أفكارها من جديد. لم يكن يطلب منها أن تتفق معه، ولم يكن يمنحها الإجابة جاهزة، وهذا ما جعل الحديث معه مختلفًا عن أحاديث كثيرة كانت تدور حولها. كان يترك لها حرية الوصول، وكأن أهم ما يريده أن تراها هي، لا أن تراها بعينيه. كتبت هالة رسالة قصيرة، ثم محتها قبل أن ترسلها. حاولت أن تكتب شيئًا أكثر وضوحًا، لكنها شعرت أن الكلمات المباشرة قد تفسد تلك المساحة الرقيقة التي صنعتها القصيدة. لم تكن تريد أن تشرح له معنى الظل، ولا أن تسأله إن كان يفهم ما تقصده، فقد كانت تخشى أحيانًا أن يؤدي الشرح الزائد إلى إغلاق الأبواب التي فتحتها الكتابة. اكتفت بأن تنقل ما كتبت إلى ورقة منفصلة، ثم أضافت أسفلها: «إلى من يعرف أن القرب لا يعني دائمًا الاقتراب». قرأت العبارة، فاحمر وجهها قليلًا، وأغلقت الكراسة بسرعة كأن أحدًا قد يراها، رغم أنها كانت وحدها في الغرفة. لم تكن هالة قد اعتادت أن تعترف لنفسها بكل ما يتحرك داخلها، وكانت تعرف أن هناك مشاعر ينبغي أن تمنحها الوقت قبل أن تسميها، وأن التسرع في تسمية الأشياء قد يحبسها داخل معنى لم تكن قد اختارته بعد. أعادت الكراسة إلى مكانها، ثم تناولت الهاتف وكتبت لفتحي: «ربما تكون السعادة أن نجلس إلى جوار الأشياء دون أن نطالبها بشيء، وأن نجد من يحترم صمتنا كما يحترم كلامنا». توقفت لحظة قبل الإرسال، ثم ضغطت الزر وتركت الهاتف فوق المكتب. حاولت العودة إلى كتابها المدرسي، لكنها قرأت السطر نفسه أكثر من مرة دون أن تستوعبه. كانت تفكر في رد فتحي، وفي احتمال أن يلتقط المعنى الذي أخفته بين كلماتها، ثم تراجعت عن الفكرة وابتسمت لنفسها. لماذا كانت تريد منه أن يفهم كل شيء؟ أليس من حق بعض الكلمات أن تبقى مفتوحة، وألّا تتحول كل إشارة إلى اعتراف، ولا كل معنى إلى سؤال ينتظر إجابة؟ عادت إلى نافذتها، وأزاحت الستارة قليلًا. كانت الشجرة في الخارج تتحرك مع نسمة خفيفة، والسماء تتسع فوق أسطح البيوت، بينما امتد ظلها على الأرض بجوار المقعد. جلست هالة، ووضعت فنجانها على الطاولة، ثم أسندت رأسها إلى ظهر المقعد. لم تكن الحياة قد أصبحت أكثر سهولة، ولم تختفِ الأسئلة التي تلاحقها في المدرسة والبيت، ولم تتوقف محاولاتها المستمرة لإثبات أنها قادرة على أن تكون أكثر مما يتوقعه الآخرون منها. لكنها شعرت، للحظات قليلة، أنها ليست مطالبة بحل كل شيء في هذه الليلة. يكفي أن تنهي يومها دون أن تخاصم نفسها، وأن تسمح للأفكار بأن تمر دون أن تلاحق كل واحدة منها حتى نهايتها، وأن تعرف أن بعض المسافات لا تحتاج إلى جسر، بل إلى احترام. وحين أضاء الهاتف أخيرًا، أسرعت يدها إليه قبل أن تتمكن من إخفاء حركتها عن نفسها. كانت رسالة من فتحي، لم تتجاوز كلماتها القليلة: «أجمل الظلال ما لا يحجب عنا الضوء يا حفيدة العقاد». ظلت هالة تنظر إلى الرسالة، ثم رفعت عينيها نحو الشجرة. لم تعرف إن كان قد فهم ما أرادت قوله، أم أنه قرأ كلماتها كما هي، وأجابها من المكان الذي يقف فيه. لكنها أحبت رده، لأنه لم يحاصر المعنى، ولم يحوّل كلماتها إلى اعتراف، بل ترك لها مساحة أخرى لتفكر وتكتب. فتحت كراستها من جديد، وكتبت تحت قصيدتها: «وربما كان أجمل ما في بعض الحضور أنه لا يطلب منا أن نكون شيئًا آخر». ثم أغلقت الكراسة برفق، وأطفأت المصباح، وبقيت للحظات تنظر إلى آخر خيط من الضوء يتسلل من النافذة. كانت هالة لا تزال في بداية الطريق، لا تعرف ما الذي تخبئه لها الأيام، ولا كيف ستتغير الأشيا
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
