الحرب على ايران لم تكن مجرد حرب للقضاء على السلاح النووى كما يردد الرئيس الامريكى كل يوم.. بل كانت حربا تستهدف اقتصاد العالم وتحقيق أقصى استفاده منه، وضرب قدرات جيوش دول أخرى.. ولذلك لم تقف خسائرها عند ارهاق الجيوش، وتدمير القدرات العسكرية بل دفعت شعوب العالم الثمن الأغلى.. فهل آن الأوان لأن ينتصر صوت العقل على صوت المدافع؟
رغم المبررات الوهمية التى ساقها القادة السياسيون والعسكريون فى امريكا واسرائيل لم تكن الحرب على إيران مجرد مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل تحولت إلى أزمة دولية تتجاوز حدود الشرق الأوسط، وتلقي بظلالها الثقيلة على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وحركة التجارة والملاحة، وأمن الشعوب واستقرارها.. وبين صواريخ تنطلق، ومنشآت تتعرض للدمار، وسفن تتعطل، وأسواق تضطرب، يبرز سؤال جوهري: كم خسر العالم حتى الآن، وكم سيدفع إذا استمرت هذه الحرب دون أفق سياسي واضح حتى هذه اللحظة؟
الإجابة على هذا السؤال الكبير والمهم ليست رقما واحدا يمكن إعلانه، فهناك خسائر مباشرة يمكن حصرها، وأخرى غير مباشرة تتراكم يوما بعد يوم، فضلا عن خسائر بشرية لا يمكن اختزالها في جداول الحسابات..فأمريكا القوة العظمى فى العالم عسكريا واقتصادي دفعت فاتورة عسكرية واقتصادية باهظة ولو فى هذه الدولة برلمان يحاسب بموضوعية لتم الاطاحة بمن اتخذ قرار الحرب وأدخل أمريكا فى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل.
لقد دفعت الولايات المتحدة ثمنا عسكريا واقتصاديا وسياسيا للحرب.. حيث فقدت قوات وطائرات وعتاد عسكرى وعشرات المليارات للانفاق على قواتها وصد الهجمات عن الدول الحليفة لها فى المنطقة.. والمؤلم للمجتمع الامريكى ليس فاتورة العمليات؛ بل الخسائر البشرية إذ أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية، وفق تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» في 10 أكتوبر 2026، ارتفاع عدد العسكريين الأمريكيين الذين تربطهم البيانات الرسمية بالعمليات ضد إيران إلى 21 قتيلا، فضلا عن 865 مصابا. وهذه حصيلة أمريكية رسمية محددة، وليست إجمالي الخسائر البشرية لجميع أطراف الحرب.. كما أن هناك تقارير أخرى تؤكد أن خسائر أمريكا البشرية أضعاف هذا الرقم.. فضلا عن الأعباء المالية الكاملة للحرب وهى مئات المليارات وتشمل حساب نفقات العمليات والتعويضات وإعادة التسليح والأضرار التي لحقت بالمنشآت.
وهناك فاتورة أخرى يتحملها المواطن الأمريكي، تتمثل في ارتفاع تكاليف الطاقة والنقل والتأمين، وما يمكن أن يترتب عليها من زيادة الأسعار وتراجع القوة الشرائية.. وهكذا كانت الحرب عبئا ثقيلا على الموازنة العامة والأسرة الأمريكية معا، مهما اختلفت تقديرات تكلفتها النهائية.
أما إيران فقد شهدت دمارا شبه كامل لكل المنشآت فضلا عن الارواح التى فقدت لعسكريين وعلماء ومدنيين وتقدر بالآلاف حيث تؤكد التقارير الواردة من داخل إيران أنها تواجه تحديات أكثر خطورة فاستهداف المنشآت والبنية الأساسية، وتعطيل النشاط الاقتصادي والتجاري، والضغوط المفروضة على الصادرات، كلها عوامل تهدد قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها وإعادة بناء ما يتعرض للدمار.
وتزداد معاناة الإيرانيين مع دخول فصل الشتاء من تضرر المنازل والمنشآت المدنية، واضطراب الخدمات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص العمل والاستثمار. وقد أشار تقرير عن الأضرار في طهران، نشرته «إيران إنترناشونال» في أغسطس الماضي، إلى تضرر أكثر من 50 ألف منزل وفق بيانات بلدية نقلها التقرير.
لكن الخسارة الإيرانية الأعمق تظل بشرية؛ فكل قتيل أو مصاب، وكل أسرة تفقد منزلها أو مصدر رزقها، يمثل مأساة لا تعوضها المكاسب العسكرية مهما بلغت. كما أن إعادة إعمار المدن واستعادة النشاط الاقتصادي قد تحتاجان إلى سنوات طويلة ومليارات الدولارات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى موارد ضخمة لتلبية احتياجات مواطنيها.
العدو الصهيونى الذى أغوى الرئيس الامريكى بدخول هذه الحرب غير المبررة دفع هو الآخر ثمنا كبيرا.. وتأكد الشعب الاسرائيلى من أكذوبة مجرم الحرب الصهيونى نتنياهو بأن “الأمن يتحقق بالقوة وحدها”
فلم يحقق الكيان الصهيونى من وراء هذه الحرب الظالمة أمنا ولا استقرارا.. بل دفعت إسرائيل تكلفة باهظة هى الأخرى.
وهناك أصوات عاقلة من داخل الكيان المجرم تحذر الآن من تداعيات عودة المواجهة العسكرية من جديد.
على مستوى دول الخليج.. فالخسائر التى لحقت بها كانت غير مسبوقة حيث لم تقف عند وقف تصدير النفط وتجميد تجارتها الخارجية بعد اغلاق مضيق هورمز .. والخلاصة دفعت دول الخليج ولا تزال تدفع ثمنا باهظا وليس هناك أى أفق زمنى لتقليل أو توقف هذه الخسائر.
لقد كشف تقرير للبنك الدولي صادر في 6 أكتوبر 2026 عن حجم الضغوط الاقتصادية الإقليمية، متوقعا انكماش اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي بمتوسط 4.3% خلال العام، في ظل تداعيات الحرب وإغلاق مضيق هرمز واضطراب الصادرات والنشاط الاقتصادي.
وهنا مفارقة تستحق التأمل: فارتفاع أسعار النفط لا يعني بالضرورة زيادة أرباح الدول المصدرة؛ إذ تتراجعت الكميات التي تستطيع تصديرها، وتضررت منشآتها، وارتفعت تكاليف التأمين والشحن والحماية، وتعطلت قطاعات السياحة والخدمات والطيران.
كما أن الهجمات على المطارات والمنشآت المدنية والتجارية جعلت أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي موضع اختبار صعب. وقد أوردت وكالة أسوشيتد برس، في 11 أكتوبر، سقوط 12 قتيلا وإصابة أكثر من 300 شخص في هجوم صاروخي استهدف مطار الملك خالد الدولي بالرياض، وفق ما نشرته الوكالة عن السلطات السعودية.. وهي واقعة تكشف كيف يمكن لتصعيد الحرب أن يوسع دائرة الخطر لتشمل المدنيين والبنية الأساسية الحيوية.
خسائر بقية دول تصل إلى كل بيت.. فمع أن الحرب شأن إقليمي لكن اضطراب الطاقة والملاحة يجعل آثارها عالمية.. فمضيق هرمز ممر استراتيجي يمر عبره، في الظروف المعتادة، نحو خمس الاستهلاك العالمي من النفط. وعندما تتعطل حركة السفن فيه، لا تتوقف المشكلة عند الدول المنتجة، بل تمتد إلى الدول المستوردة، والمصانع، وشركات النقل، ومحطات الكهرباء، ومصانع الأسمدة، وقطاعات الزراعة والغذاء.
وقد حذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار اضطرابات الطاقة يمكن أن يخفض النمو العالمي ويرفع التضخم.. وفي سيناريو أكثر سوءا، إذا بلغ متوسط سعر النفط نحو 110 دولارات للبرميل خلال الشهور القادمة توقع الصندوق تراجع نمو الاقتصاد العالمي إلى 2.6% وارتفاع التضخم إلى 5.4%.
وهذا يعني أن المواطن في دولة بعيدة عن ميادين القتال قد الوقود، أو دفع فاتورة الكهرباء، أو شراء الغذاء والدواء. كما تواجه الدول الفقيرة والنامية خطرا أكبر، لأن ارتفاع الأسعار يلتهم دخول الأسر المحدودة، ويزيد كلفة استيراد احتياجاتها الأساسية، ويضغط على ميزانياتها المثقلة بالديون.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
