في ذلك المساء لم يكن شيء يختلف عن الأمسيات التي سبقته سوى أن روحي كانت أقل ضجيجاً، وأكثر استعداداً لأن تُصغي. تركتُ الماء يقترب من الغليان كما يقترب المساء من كتفي الأرض. وحملت فنجان القهوة إلى النافذة. في الخارج كانت الريح تمر بين الأشجار برفق يشبه يد حنونة تقلب صفحات كتاب قديم. العصافير كانت تنثر آخر حروف النهار قبل أن يبتلعها الغروب. لم أكن أهرب من يوم طويل، ولم أكن أبحث عن عزاء. كنت أريد فقط أن أتنفس ببطء كما لو أن الحياة للمرة الأولى منذ زمن توقفت عن الركض.
قلت في نفسي: سأستمع إلى أغنية من الزمن الجميل.
ثم جاء ذلك الصوت.
“كل دقة في قلبي بتسلم عليك”.
لم تكن الكلمات تعبر أذني، بل كانت تعبرني. شعرت أنها لا تسلم على أحد بعيد، بل على ذلك الجزء الهادئ من روحي الذي تركته سنوات طويلة ينتظرني بينما كنت أمضي بكل إخلاص نحو رسالتي ونحو المعرفة ونحو العطاء.
هناك مرت بي فكرة لم أقاومها.
هل أصبحت راهبة في الحب؟
ليس لأنني أنكره، ولا لأنني أغلقت أبوابه، بل لأنني وجهت تلك الطاقة الهائلة التي تربك القلوب نحو قيم عليا ورسالة آمنت بها. حتى صار الحب عندي صلاة أكثر منه انتظاراً، وعطاء أكثر منه امتلاكاً، ورسالة أكثر منه حكاية.
لكن هل يستطيع الحب أن يعيش طويلاً إذا لم يجد بين حين وآخر نسمة وأغنية؟ وهل الرسائل العظيمة تولد من قلب جف أم من قلب لا يزال يرتجف أمام نسمة وبيت شعر؟
جلست.
ليس لأن قدمي تعبتا، بل لأن شيئاً في داخلي لم يعد يحتمل الوقوف. شعرت أنني أذوب كما تذوب قطعة بسكويت في فنجان ساخن.
وللحظةٍ أدركتُ أن تلك التي ظننتُ أنني تركتُها خلفي لم تغب، كانت هناك في أكثر زوايا روحي هدوءًا، تنتظر نسمةً، وقصيدةً، وأغنيةً من زمنٍ جميل، لتتذكر أن الرقة لا تناقض الرسالة، وأن الأنوثة لا تزاحم المعنى، وأن القلب مهما ارتقى حتى بدا كأنه راهبٌ في الحب، لا يكف عن الإصغاء إلى الجمال حين يناديه.
بقلم المفكرة والباحثة والكاتبة الإبداعية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
