الثلاثاء , 27 أكتوبر 2026

د.سامح صابر يكتب.. مسرح الطفل بين الواقع والآفاق المستقبلية



​يتميز مسرح الطفل بأهمية بالغة في تشكيل البنية الثقافية للطفل، والتي تمثل حجر الزاوية في بناء المجتمع المتكامل؛ حيث يلعب دوراً محورياً في نقل المكونات الحضارية المختلفة التي تشمل الجوانب المعرفية من خلال إثراء معارف الطفل وإدراكه للعالم المحيط به. كما يعمل على ترسيخ المبادئ الأخلاقية والاجتماعية الراسخة والجمالية بتنمية الذوق الفني والحس الإبداعي والتراثية بنقل العادات والتقاليد والموروث الثقافي الأصيل، والتنظيمية بتعريف الطفل بالنظم والقوانين المجتمعية.
​وتشكل هذه العناصر المتكاملة نسيجاً ثقافياً متكاملاً يكتسبه الفرد خلال عملية التنشئة الاجتماعية، حيث يعمل مسرح الطفل كآلية ديناميكية فعالة في هذه العملية من خلال تقديم المضامين الثقافية في قالب فني مبتكر تجمع بين التشويق والإمتاع مع توظيف العناصر الجمالية والإبداعية في صياغة الرسائل التربوية وإتاحة بيئة تفاعلية حية تتيح المشاركة الفعالة في العملية التعليمية إلى جانب الربط الواعي بين الأصالة الثقافية والمعاصرة الحضارية.
​وبذلك يتخطى مسرح الطفل كونه مجرد وسيلة ترفيهية ليرتقي إلى أداة تنموية شاملة تسهم في بناء الشخصية المتوازنة القادرة على التفاعل الإيجابي مع محيطها المجتمعي، وتكوين وعي متكامل يجمع بين الأصالة والحداثة في إطار من التوازن والتفاعل الخلاق مع متغيرات العصر دون التفريط في الثوابت الثقافية والحضارية.
​ولقد استخدمت الحكاية منذ القدم كوسيلة لنقل المعرفة والحكمة، وعندما دخلت عالم المسرح، اكتسبت بُعداً جديداً يجمع بين السرد والحوار، والحركة، والمشاهدة، مما يعزز تفاعل الطفل مع المحتوى، كما أن للحكاية في المسرح دوراً كبيراً في تنمية اللغة، وتعزيز المهارات الاجتماعية، وصقل الشخصية من خلال التعرف على النماذج المختلفة التي تقدمها القصص.

​1. تاريخ مسرح الطفل في مصر
​يمتلك مسرح الطفل في مصر تاريخاً عريقاً يضرب بجذوره في بدايات القرن العشرين:
​الإرهاصات الأولى ومسرح المدرسة: بدأ الاهتمام بمسرح الطفل من خلال النشاط المدرسي وتأثير رواد النهضة التعليمية والثقافية (أمثال أحمد شوقي وعثمان جلال)، حيث كُتبت مسرحيات وشعر أخلاقي تعليمي موجه للأطفال.
​منتصف القرن العشرين والعرايس: شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي تحولاً مفصلياً بإنشاء “مسرح القاهرة للعرائس” عام 1959 على يد قامات فنية وثقافية كبيرة، وظهور أعمال خالدة مثل أوبرا العرائس “الليلة الكبيرة” لصلاح جاهين وسيد مكاوي، والتي أصبحت علامة فارقة في تاريخ المسرح المصري والعربي.
​تأسيس المسرح القومي للأطفال: في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، تم إشهار وتأسيس “المسرح القومي للأطفال” كفرقة مسرحية رسمية تابعة للبيت الفني للمسرح، لتقديم عروض مسرحية بشرية وعروض عرائس موجهة لمختلف الفئات العمرية للأطفال.
​المهرجانات والمبادرات المعاصرة: اتسعت الدائرة في العقود الأخيرة لمسارح الثقافة الجماهيرية، والمسرح المستقل، والمسرح المدرسي، فضلاً عن المهرجانات المتخصصة في مسرح الطفل.
​2. أهمية مسرح الطفل
​تتعدد أبعاد ودور مسرح الطفل في تكوين النسيج الإنساني والتربوي للطفل، ويمكن تلخيص أهميته في النقاط التالية:
أ. التنشئة الاجتماعية والتربوية: يمثل آلية ديناميكية لنقل القيم الأخلاقية، والعادات، والنظم المجتمعية بشكل محبب وغير مباشر.
ب. الارتقاء باللغة والتواصل: يسهم في تنمية الثروة اللغوية والتعبير الشفهي من خلال الحوار والسرد المسرحي.
ج. التنمية الجمالية والإبداعية: ينمي الذوق الفني والخيال والحس الجمالي لدى الطفل عبر عناصر الإضاءة، الموسيقى، والديكور، والحركة.
د. تطوير المهارات الاجتماعية والشخصية: يساعد الطفل على فهم ذائقة الآخرين، وبناء الشخصية المتوازنة، والتفاعل الإيجابي مع محيطه.
ه. الدمج بين التعليم والإمتاع: يقدم المفهوم التفاعلي للتعليم عبر الترفيه، مما يرسخ المفاهيم المعرفية والحضارية دون ملل.

​3. جوانب التقصير في مسرح الطفل
​رغم التاريخ العريق والأهمية الكبيرة، يعاني مسرح الطفل في الوقت الراهن من عدة سلبيات وجوانب تقصير:
​ضعف النصوص المسرحية المتخصصة: قلة الكتاب المتخصصين في أدب ومسرح الطفل، والاعتماد أحياناً على نصوص مقتبسة غير ملائمة للبيئة العربية.
​ضعف التمويل والاعتماد الكلي على الدولة: تراجع الميزانيات المخصصة للإنتاج المسرحي الموجه للأطفال، مما يؤثر على جودة التقنيات والمتعة البصرية المطلوبة لجذب الطفل الحديث، مع ضعف غياب الاستثمار الثقافي من قبل المؤسسات الخاصة ورجال الأعمال
​سطوة التكنولوجيا والوسائط الحديثة: صعوبة منافسة المسرح التقليدي للمحتوى الرقمي السريع والألعاب الإلكترونية في ظل غياب التحديث التقني في العروض.
​ضعف الإعداد الأكاديمي والتدريب: نقص الكوادر المدربة خصيصاً في علم نفس الطفل والتخصصات الإخراجية والتمثيلية الموجهة للطفل.
​حصر العروض في العواصم: تركز معظم العروض المسرحية المتخصصة في المدن الكبرى (كالقاهرة والإسكندرية) وتهميش الأقاليم والقرى.
​4. كيفية معالجة سلبيات مسرح الطفل
​لتجاوز هذه التحديات والارتقاء بمسرح الطفل ليؤدي دوره التنموي الشامل، يُقترح اتخاذ الخطوات التالية:
أ. تطوير النص المسرحي: تشجيع المسابقات والورش الكتابية لتأليف نصوص تعتمد على التشويق والإمتاع، وتخاطب عقلية طفل العصر الرقمي.
ب. دمج التكنولوجيا والتقنيات الحديثة: إدخال المؤثرات البصرية الحديثة، الهولوغرام، والتقنيات التفاعلية في العروض المسرحية لزيادة عنصر الجذب والإبهار.
ج. تأهيل وتدريب الكوادر: إدراج تخصصات مسرح الطفل في المعهد العالي للفنون المسرحية وكليات التربية النوعية لتخريج متخصصين مدركين لسيكولوجية الطفل.
د. اللامركزية المسرحية: تفعيل المسرح المتنقل ومسرح قصور الثقافة في مختلف المحافظات للوصول إلى كافة الأطفال.
ه. الشراكة بين المؤسسات: تفعيل التعاون المباشر بين وزارات الثقافة، والتربية والتعليم، والشباب والرياضة لجعل المسرح جزءاً أصيلاً من النشاط المدرسي اليومي.

​5. التوصيات
​تخلص الدراسة إلى مجموعة من التوصيات الختامية للنهوض بمسرح الطفل:
​تأسيس هيئة أو مركز وطني متخصص لمسرح الطفل يتولى تخطيط وتمويل وتطوير العروض وفق معايير تربوية وفنية معاصرة.
​إعادة الاعتبار للمسرح المدرسي وتزويد المدارس بكوادر مسرحية مؤهلة لتكون النواة الأولى لاكتشاف المواهب وصقلها.
​استغلال التراث والموروث الثقافي وإعادتها بصياغة فنية حديثة تجمع بين الأصالة والمعاصرة لترسيخ الهوية الوطنية لدى الأطفال.
​إجراء دراسات ميدانية ونفسية دورية لقياس مدى أثر العروض المسرحية على سلوك الأطفال وتطوير المحتوى بناءً على نتائج هذه الدراسات.
​توفير الدعم المالي واللوجستي للفرق المستقلة والشابة المهتمة بتقديم مسرح موجه للأطفال والتوسع في المهرجانات المتخصصة.​
الشراكة بين القطاعين العام والخاص بناء نموذج عمل يجمع بين الرؤية التربوية للوزارات المعنية والقدرات المالية والتنظيمية لمؤسسات رجال الأعمال.

شاهد أيضاً

رئيس جامعة أسيوط يشهد افتتاح «تسعة أيام لسينما دول حوض البحر المتوسط»

كتب عادل احمد شهد الدكتور أحمد عبد المولى، رئيس جامعة أسيوط، اليوم الأحد الموافق 25 …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *