من الذات إلى الهم الجماعي
لا تتحدد ملامح الكاتب في القضايا التي يطرحها فقط بل تتضح في الطريقة التي يشكل بها لغته ويبني بها نصه ويوظف الصورة والإيقاع والرمز في التعبير عن رؤيته. ومن خلال قراءة ثلاث نثريات للدكتور كمال يونس هي يس وماذا؟! وبيت العائلة يمكن استكشاف سمات أسلوبية تتكرر بدرجات متفاوتة وتكشف عن كتابة تتخذ من النثر الفني وسيلة للتعبير عن القلق والاحتجاج وتستند إلى تضافر الانفعال والتصوير واستحضار الرموز التاريخية والدينية والتراثية.
تقوم البنية الفنية في هذه النصوص على اتخاذ عبارة محورية تعود إليها المقاطع فتمنحها قدر من التماسك وتحدد مسارها الدلالي. ففي نثرية يس يتكرر النداء الذي يحمل اسم الشخصية المحورية لتنتظم حوله مشاعر الإعجاب والحزن والغضب بينما تتأسس نثرية ماذا؟! على السؤال المتكرر: “ماذا أفعل بغضبتي؟! الذي لا يطلب إجابة مباشرة بقدر ما يكشف عن الحيرة والعجز عن تحويل الغضب إلى فعل. أما في نثرية بيت العائلة فتتكرر ” في ركن مظلم بزاوية في بيت العائلة” في مستهل المقاطع لتصبح إطار مكاني ونفسي تتوالى داخله مشاهد تنتقل من التجربة الذاتية إلى القضايا العامة. وهكذا تختلف وظيفة العبارة المحورية من نص إلى آخر لكنها تؤدي في النصوص الثلاثة دور بنائي لا يقتصر على التوكيد بل يساهم في ترتيب المعاني وترابطها.
ويستثمر الكاتب التكرار كذلك في تشكيل الإيقاع وتصعيد الانفعال. ففي يس تتردد عبارة “أشلاء .. أشلاء” ويتكرر “صبرًا.. صبرًا ” وصولًا إلى النداء الختامي “قاوم .. قاوم .. قاوم” حيث يتحول التكرار إلى صيحة تحريضية تختزل موقف النص. وفي نثرية ماذا؟! تتوالى عبارات الألم والتعجب وتتكرر الأفعال والصور وتتجلى حدة الانفعال كما في “تتجزأ.. تتفتت” و”ضربات.. تتلوها.. ركلات.. وصفعات.. وطعنات” حيث يعكس هذا التتابع تصاعد الألم وتراكم مشاعر الغضب والاحتجاج . بينما تأتي في نثرية بيت العائلة ” وتدور، تدور” لتجسد بإيقاعها حركة لا تنتهي إلى تقدم. ويرتبط هذا الإيقاع بمعنى النص حيث يعكس الحالة النفسية للكاتب ويجعل الانفعال أكثر تأثيرًا في القارئ.
أما الصورة الفنية فتؤدي وظيفة تتجاوز تجميل اللغة إلى تجسيد المواقف والأفكار في مشاهد محسوسة. ففي يس “يكسر عنق الكلمة” و “يبعثر رفات الحروف” فيصور الاعتداء على الكلمة باعتباره عنف واقع على كائن حي ويجعل الحروف أشبه ببقايا اجساد مبعثرة. وفي نثرية ماذا؟! يصف الموج بأنه “منكسرا .. منحسرا.. علي شاطئ صخري عنيد” فتتجسد حركة الغضب في صورة اصطدام وتراجع بما يعكس المسافة بين الرغبة في التغيير وصعوبة تحقيقه. أما في بيت العائلة فتظهر صورة الثيران التي تجر السواقي لتعبر عن الدوران في حلقة مغلقة ويكثف الكاتب دلالتها في ” لولا الحلم لكنت كثور، فأنا بالحلم سر البشرية” في هذه النماذج تتصل الصورة برؤية الكاتب وتمنح الفكرة قوة حسية بحيث لا يكتفي المتلقي بفهمها بل يتخيل حركتها وأثرها.
وتكشف النصوص أيضًا عن ميل واضح إلى الانتقال من التجربة الفردية إلى الهم الجماعي. ففي بيت العائلة يبدأ الكاتب من تأمل الذات ومقاومة الشعور بتراجع العمر والتوتر بين أحلامه ونصائح أبيه ثم يتسع المشهد ليشمل الانقسام العربي والحروب والقدس والمفاوضات. وفي ماذا؟! يتخذ الغضب الشخصي مدخل إلى مساءلة الانقسام ومأساة الأبرياء وانتقاد الكتاب والمثقفين الذين يتخلون عن دورهم في الدفاع عن قضايا الأمة. أما يس فيجعل من الشخصية المحورية مدخل إلى القضية الفلسطينية مستحضرًا معاني الصمود والمقاومة. وبذلك لا تظل الذات معزولة عن محيطها حيث تتحول مشاعرها إلى وسيلة لقراءة الواقع ويصبح الألم الفردي جزء من إحساسه بما تعانيه الأمة من انقسام وألم.
ويؤدي التناص التاريخي والديني دورًا بارزًا في تشكيل هذا الأفق. ففي بيت العائلة يستدعي الكاتب قيس بن الملوح وليلى وصلاح الدين وحطين وحرب البسوس والمعتصم كما يستحضر سعد بن أبي وقاص وأبا عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وقطز وفتيان أرنون ونصر الله مستعين برموز من الذاكرة العربية والإسلامية ليقارن بين ماضيها وحاضرها ويكشف من خلال هذه المقارنة عن التناقض بين ما تختزنه الذاكرة من أمجاد ومواقف بطولية وما يشهده الحاضر من انقسام وعجز أمام المآسي ويبلغ هذا الاستدعاء دلالته في تكرار السؤال “أنى لي بصلاح الدين، أنى لي بصلاح الدين” حيث لا يعود صلاح الدين شخصية تاريخية فحسب بل رمز للفعل الغائب الذي يتطلع إليه الكاتب. وفي ماذا؟! تحضر حرب البسوس وشخصيات تاريخية ودينية أخرى ضمن سياق مساءلة الانقسام والخذلان بينما تتداخل في يس المرجعيات الدينية مع خطاب المقاومة والشهادة والصمود.
ولا يقتصر أثر هذا التناص على استحضار الماضي بل يتضح في جعله أداة لمساءلة الحاضر. فالتاريخ في هذه النصوص ليس حكاية مكتملة يكتفى باستعادة أمجادها وإنما مرآة تكشف التناقض بين ما تختزنه الذاكرة من قيم البطولة والفعل وما يراه الكاتب من انقسام وعجز.
تتنوع أساليب التعبير لدى الكاتب بين الرمز والتصريح المباشر والنداء والاستفهام. ففي بيت العائلة تعكس صورة السيف الذي يبحث عنه فلا يجده العجز عن الفعل بينما تعبر عبارة “الاتحاد قوة” عن موقف واضح يدعو إلى التماسك. وفي يس تتضافر الصور التعبيرية مع النداء المباشر حتى تنتهي النثرية إلى الأمر “قاوم .. قاوم .. قاوم”. أما ماذا؟!فيوظف الكاتب الاستفهام المتكرر لتوسيع دائرة المساءلة ويوجه من خلاله النقد إلى مواقف وشخصيات وأنماط من السلوك. ويكشف هذا التنوع عن قدرة الكاتب على توظيف أدوات تعبيرية متعددة مستندًا إلى رصيد ثري من المعرفة التاريخية والدينية والأدبية يستحضره للتعبير عن قضايا الحاضر وتعميق دلالات نصوصه.
وتبرز في بيت العائلة مفارقة فنية تمنح الخاتمة أثرها فبعد أن يهيئ النص القارئ لصورة دخان السيجارة يكشف الكاتب أنه لم يمتلك يومًا قداحة ولم يدخن السجائر وأن مصدر الدخان هو “زفراتي الملتهبة” يعيد هذا الكشف قراءة المشهد السابق وينقل الدخان من أثر مادي متوقع إلى صورة للغضب والحسرة والاحتراق الداخلي. وتكتسب المفارقة أهميتها من اتصالها بالبناء العام للنص حيث يعود الكاتب في النهاية إلى ذاته بعد أن جاب مشاهد التاريخ والواقع لتظهر المأساة العامة وقد استقرت في داخله وأصبحت جزء من معاناته الشخصية.
تكشف النثريات الثلاث في مجموعها عن أسلوب تتساند فيه البنية القائمة على التكرار والصورة ذات الوظيفة الفكرية والتناص والإيقاع المتصاعد والانتقال من الذات إلى الجماعة. وتختلف النصوص في طرائق توظيف هذه الأدوات ففي يس يميل إلى النداء المباشر وتصعيد خطاب المقاومة وماذا؟ يبني حركته حول سؤال الغضب وما يثيره من مسارات احتجاجية بينما يمنح بيت العائلة المشاهد المتعددة إطار مكاني يعود إليه الكاتب في كل مرة. وتتيح هذه الفروق رؤية وحدة الأسلوب دون اختزال النصوص في قالب واحد.
إن ملامح الكتابة عند الدكتور كمال يونس تتجلى في قدرته على التعبير عن همومه الشخصية وقضايا المجتمع من خلال النثر الفني مستعين بالصور والذاكرة التاريخية لإيصال أفكاره. وتزداد قيمة نصوصه حين تتكامل الفكرة والصورة فيتحول الموقف الذي يطرحه إلى تجربة أدبية تترك أثر في القارئ وتدعوه إلى التأمل.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
