القصة الأولى: الباب الذي لا يجيب
كان الطفل يركض في شارعٍ لا يعرف اسمه، يحمل في عينيه دمعتين، وفي صدره سؤالًا أكبر من عمره. كانت المدينة غارقة في صمتٍ ثقيل، والنوافذ مغلقة كأن البيوت اتفقت على ألا ترى شيئًا، وكانت خطواته الصغيرة تضرب الأرض بإيقاعٍ يشبه استغاثة لا يسمعها أحد. توقف أمام بابٍ قديم، طرقه بيد مرتجفة، وانتظر. لم يفتح أحد. طرق مرة أخرى، ثم ألصق أذنه بالخشب، لعلّه يسمع حركة في الداخل، لعلّ هناك أمًّا توقظ طفلها، أو أبًا ينهض من فراشه، أو قلبًا لم يمت بعد. لكن الصمت ظلّ سيد المكان. انحنى الطفل، مسح أنفه بكمّ قميصه الممزق، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: «يا رب، هل أخطأت الطريق؟» لم تجبه السماء، ولم تتحرك الستائر، ولم تخرج يدٌ تمتد إليه بقطعة خبز أو كلمة حنان. ركض من جديد، لأن الأطفال حين لا يجدون من يفتح لهم الأبواب، يتعلمون أن يركضوا قبل أن يتعلموا كيف ييأسون. وفي آخر الشارع، كانت امرأة تقف خلف نافذتها، تراقبه بعينين غارقتين في الدموع. وضعت يدها على فمها كي لا يخرج صوت بكائها، ثم أغمضت عينيها، فقد كان الطفل يشبه ابنها الذي فقدته منذ سنوات. وحين فتحتهما، كان قد اختفى. بقي الباب مغلقًا، وبقي السؤال مفتوحًا: كم طفلًا يطرق أبوابنا كل يوم، ولا نسمع طرقاته لأننا اعتدنا أن نعيش خلف جدراننا؟
القصة الثانية: نافذة تستقبل الليل
حين وصل الطفل إلى البيت الثاني، لم يطرق الباب، فقد كانت النافذة مفتوحة، والستارة البيضاء تتحرك مع الريح كأنها يدٌ تلوّح لغريق. وقف تحتها، رفع وجهه، فرأى امرأة تجلس إلى جوار مصباحٍ خافت، تقرأ كتابًا قديمًا، وعلى الطاولة كوب شاي برد قبل أن ترتشف منه. رفعت المرأة رأسها، فالتقت عيناها بعينيه، وشعرت أن شيئًا ما انكسر في داخلها. لم تسأله عن اسمه، ولا عن أبيه، ولا عن المكان الذي جاء منه؛ فتحت النافذة أكثر، وقالت: «تعال يا صغيري، الليل بارد». لم يتحرك. كان قد تعلّم من الأبواب المغلقة أن كل دعوة قد تخفي وراءها خيبة جديدة. ابتسمت المرأة، ثم وضعت قطعة خبز على حافة النافذة، وتراجعت خطوة حتى لا تخيفه. اقترب الطفل بحذر، أخذ الخبز، وظلّ ينظر إليها كأنه يحاول أن يفهم كيف يمكن لغريبة أن تمنحه ما بخل به العالم كله. قالت له: «هل أنت جائع؟» أومأ برأسه. «وهل أنت خائف؟» لم يجب، لكن دموعه أجابت بدلًا منه. مدت يدها إليه، ثم تراجعت حين رأته ينكمش، وأدركت أن بعض الجراح لا تحتمل اللمس، وأن الحنان نفسه يحتاج أحيانًا إلى استئذان. قالت: «لن أجبرك على الدخول، لكن النافذة ستظل مفتوحة ما دمت تحتاج إلى مكان تستريح فيه». أكل الطفل في صمت، ثم نظر إلى السماء التي بدأ الليل ينسج ستاره فوقها. همس: «مرحبًا بك أيها الليل». ارتجفت المرأة. لم تكن تعرف أن الليل الذي تخشاه منذ موت ابنها يمكن أن يأتيها هذه المرة محمولًا على صوت طفل، وأن النافذة التي فتحتها له قد تكون نافذتها هي إلى الحياة من جديد.
القصة الثالثة: الكلمات التي ماتت في فم المجاز
في صباح اليوم التالي، عاد الطفل إلى الشارع نفسه، لكنه لم يعد يحمل الخبز وحده؛ حمل معه سؤالًا جديدًا: لماذا يحنو بعض الغرباء علينا، بينما يقسو علينا الذين يفترض أنهم يعرفوننا؟ جلس على الرصيف أمام مكتبة صغيرة، وراح يراقب الكلمات المكتوبة على واجهتها: «الحب»، «الأمان»، «العدالة»، «الرحمة». قرأها بصوت خافت، ثم ضحك ضحكة قصيرة لا تشبه ضحكات الأطفال. كانت الكلمات جميلة، لكنها لم تستطع أن تمنحه بيتًا، ولم تستطع أن تعيد إليه يدًا كانت تمسح على شعره قبل النوم. دخل المكتبة حين رآه صاحبها، رجل مسنّ يضع نظارة سميكة، ويكتب بقلم حبر على أوراق صفراء. سأله الرجل: «ماذا تريد يا صغيري؟» أجاب: «أريد أن أعرف لماذا لا تشبه الكلمات أصحابها». رفع الرجل رأسه، وتأمل وجهه طويلًا، ثم أشار إلى كرسي قريب. «اجلس، وأخبرني». جلس الطفل، وحكى عن الأبواب التي لم تجبه، وعن الجوع الذي جعله ينسى طعم الأشياء، وعن الليل الذي استقبله من نافذة امرأة لا يعرفها. استمع الرجل دون أن يقاطعه، وحين انتهى الطفل قال: «الكلمات لا تكذب دائمًا، يا بني، لكن البشر أحيانًا يستخدمونها ستارًا يخفون خلفه ما لا يريدون مواجهته». سأله الطفل: «وهل تستطيع الكلمة أن تنقذ إنسانًا؟» قال الرجل: «قد تفعل، إذا تحولت إلى يدٍ تمتد إليه، أو بابٍ يُفتح له، أو حقٍّ يُعاد إليه». ظل الطفل صامتًا، ثم أشار إلى كتاب مفتوح فوق المكتب وقال: «إذن، لماذا نكتب عن الرحمة ولا نرحم؟ ولماذا نكتب عن الأطفال ثم نتركهم في الشوارع؟» لم يجد الرجل جوابًا سريعًا. خلع نظارته، ومسح عينيه، ثم نهض وفتح باب المكتبة على مصراعيه. قال: «ربما لأننا نحتاج إلى أن نتعلم كيف نجعل الكلمات أفعالًا». خرج الطفل بعد قليل، بينما بقي الرجل ينظر إلى الورقة التي كان يكتب عليها. شطب كلمة «الإنسانية»، وكتب بدلًا منها: «إنسان واحد يحتاج إلى المساعدة الآن». فقد فهم أخيرًا أن الكلمات قد تموت في فم المجاز، لكن بإمكانها أن تعود إلى الحياة حين تنزل إلى الشارع.
القصة الرابعة: الطفل الذي كان دمعة
لم يكن الطفل يعرف أن امرأة تراقبه من بعيد، ولا أن رجلًا مسنًا بدأ يبحث عنه بعد زيارته للمكتبة، ولا أن حكايته الصغيرة أخذت تتسع في قلوب لم تكن تعرف بعضها. كان يركض كل يوم، من شارع إلى آخر، ومن باب إلى نافذة، ومن خيبة إلى أمل، كأنه يخشى أن يتوقف فيبتلعه الفراغ. لم يكن يركض لأنه يعرف إلى أين يذهب، بل لأنه لا يعرف أين يمكنه أن يتوقف بأمان. وفي إحدى الليالي، جلس تحت شجرة عارية الأوراق، وضمّ ركبتيه إلى صدره، ثم أخذ يبكي. لم يكن بكاؤه عاليًا، لكنه كان عميقًا، كأن كل دمعة تحمل وجع طفل آخر لم يجد من يسمعه. مرت امرأة فسمعت نشيجه، فتوقفت. ثم جاء رجل يحمل كيسًا من الطعام، فتوقف هو أيضًا. وبعدهما اقترب شاب، ثم فتاة، ثم عامل أنهكه يوم طويل. لم يعرف أحدهم ماذا يقول، لكنهم لم يتركوه وحده. جلست المرأة إلى جواره، ووضع الرجل الطعام أمامه، وخلع الشاب سترته ووضعها على
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
