حين يولد الإنسان في رحم البيئة البدوية العريقة، وتتفتح عيناه على اتساع الصحراء، وشموخ النخيل، وقوانين القبيلة الصارمة التي تشبه صلابة الصخور، فإن جذوره تظل غارقة في تلك التضاريس مهما أبعدته مسافات السفر وغربت عليه شمس المدن الكبرى
عشت في القاهرة سبعة وعشرين عاماً، وتشرّبت تفاصيل زحامها وصخبها، لكن طفولتي وصباي ظلا هما البوصلة التي تقود قلمي، والنبض الحقيقي الذي تبتلعه أوراقي حبراً دافئاً. إن الأدب في نظري ليس شطحاً في خيال وهمي مقطوع الصلة بالأرض، بل هو “واقعية رمزية” نابعة من صميم البيئة والتاريخ. فالأديب الحقيقي هو ابن بيئته ومجتمعه، يحمل رسالة سامية، ويسعى لخلق مدرسة أدبية مميزة تسهم في إثراء الحركة الثقافية، وتصنع وعياً يرتكز على الأخلاق والأصالة، بعيداً عن الإسفاف أو إثارة الغرائز الرخيصة. وكما أقول دائماً في ندواتي ولقاءاتي: «على الكاتب قبل أن يخط حرفاً أن يضع في حسبانه: هل يرضى لابنته أو ابنه أن يقرأ هذا الأدب؟» فالقلم أمانة، والكلمة شرف.
من هذا المنطلق، جاءت أعمالي الروائية متسلسلة كعقد فريد ينبض بالحياة، مستلهمة من تاريخ قبيلة الرشايدة (عبس غطفان)، وهجرتها الكبرى من نجد والحجاز إلى ربوع مصر والسودان، لترسم لوحة متكاملة للإنسان والمجتمع والعقيدة.
أولاً: في رحاب القبيلة والذاكرة البدوية:
- خالتي حميدة.. حكمة الأرض وصرامة النساء
تمثل هذه الرواية حجر الأساس في توثيق تاريخ القبيلة وهجرتها وعاداتها وتقاليدها. و”خالتي حميدة” ليست مجرد شخصية عادية، بل هي رمز للمرأة العجوز الحكيمة التي كانت بألف رجل؛ تلك التي عشت طفولتي أراها وألعب حول بيتها، فكانت تجسد في صرامتها وحكمتها كل نساء القبيلة وقوتهن الكامنة. - زمن القرع.. صراع العرف والتحرر الواقعي:
تتناول قانون “القرع” العرفي في قبيلة الرشايدة، والذي يقضي بأن تُحجر ابنة العم ليتزوجها ابن عمها جبراً. تدور الأحداث حول البطلة “أمل القاهرية” التي تزوجها “حامد” ابن القبيلة في القاهرة بعد فراره من هذا القانون الصارم. وبعد وفاة حامد تاركاً لها طفلين وبنت، لم تستسلم أمل لليأس، بل نجحت كسيدة أعمال، وظلت وفية لأهل زوجها في القبيلة تعطيهم الكثير، بل وقادت محاولات شجاعة مع نساء القبيلة للثورة على قانون القرع وتغيير بعض مفاهيمه البالية. - صديق النخلة.. ملحمة العشق والجنون:
قصة حقيقية عشتها في صباي؛ حيث أصيب البطل “بهلول” بالجنون وفقد عقله حين ماتت محبوبته “دلال” قبل الدخول بيوم واحد. كان بهلول إذا ذكر أحد اسم دلال يجن تماماً، يعشق سماع أم كلثوم، ويخلو بنفسه مع نخلة في القصب، جالساً بجوار بيت دلال المهجور، حتى أكله الذئب في ليلة حالكة حزناً عليه. وما يزيد المشهد درامية أن النخلة سقطت بعد موته بيوم واحد، وكأنها كانت توأماً لروحه. - الشيخ حماد.. بين رهبة العفاريت ونور التقوى:
تدور أحداثها في محيط بلدتي “عرب الرشايدة”، حيث يحكي البطل قصته حين عاد من السفر بعد منتصف الليل ونزل من القطار في القاهرة، فضعف قلبه وتنكرت له الطرق والمعالم حتى ضل طريقه. يذهب لزيارة أقربائه في الصحراء (“عرب الخور”)، وهناك يلتقي برجل سوداني مسن ترتسم على وجهه ملامح الصلاح والتقوى، يؤم الناس في الصلاة. يتعلق به البطل طوال فترة مكوثه، ليدرك الشيخ السوداني بحكمته أن السبب الحقيقي وراء خوفه من العفاريت هو البعد عن الله. - شاعر القبيلة.. ثمن البوح وحكم العرف:
بطلها الشاعر “صقر الشاعر” الذي كان ينشد الشعر في سامر القبيلة. ومنذ الجاهلية، يقضي عرف القبيلة بأن من يذكر اسم محبوبته علانية في قصيدة يُمنع من زواجها. وعندما غلبته مشاعره فذكر ابنة عمه “غزال” التي أحبها، حكم العرف بحرمانه منها. مرضت غزال، فخرج صقر من مصر كلها مهاجراً إلى قطر وتزوج هناك، لكن غزال ظلت وفية لحبه حتى آخر أيام حياتها. - تاج إبليس.. الصراع الأبدي بين الإنسان والشيطان:
تغوص هذه الرواية في أبعاد النفس البشرية، مسلطة الضوء على الصراع الأزلي والمستمر بين الإنسان والشيطان، وكيف تتشابك الأهواء والخطايا لتختبر إرادة الضمير الإنساني في الثبات أو السقوط.
ثانياً: في رحاب التاريخ والمقاومة:
لا يقف قلمي عند حدود الصحراء والبيئة القبلية، بل يمتد ليعانق صفحات التاريخ الكبرى والمقاومة الشعبية ضد المستعمر، متجسداً في أعمال مثل:
شارع بولاق: توثيق حي وملاحمة لأهل بولاق الأبطال في مقاومتهم الباسلة ضد الحملة الفرنسية.
ثورة العميان: عمل روائي يغوص في أعماق الروح الوطنية والمقاومة الشعبية للاستعمار والظلم.
بلال صوت المدينة: تجسيد نقي ومضيء لسيرة الصحابي الجليل سيدنا بلال بن رباح، مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم وثباته الأسطوري.
أم سليم صانعة الرجال: احتفاء بالدور العظيم للمرأة المسلمة في صنع الأجيال وبناء صرح القيم والمبادئ.
إن الأدب في ميزاني ليس ترفاً فكرياً، بل هو “رسالة” وحراسة للقيم والوجدان. ومن خلال المزج بين عبق الصحراء، ودفء الذاكرة القبلية، وصلابة التاريخ الوطني، أسعى لأن أترك بصمة في وجدان القارئ العربي، مؤكداً أن الكاتب الحق هو من يكتب بمداد قلبه، حافظاً لقلمه نظيفاً، ليكون مرآة صادقة لمجتمعه وأمته.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
