الأحد , 1 نوفمبر 2026

د. عامر عيد يكتب.. سيناريوهات الحكومة الإسرائيلية المقبلة .. ارتفاع تمثيل الفلسطينيين أربك حسابات نتنياهو وآيزنكوت ولن تغير البنية العنصرية لإسرائيل (1-3)

لم تُنهِ الانتخابات الإسرائيلية، التي جرت في 27 أكتوبر 2026، حالة الانسداد السياسي، بل كشفت عن معادلة معقدة يتداخل فيها الصراع على السلطة مع المواقف الأيديولوجية من مشاركة الأحزاب العربية في الحكم؛ فبنيامين نتنياهو، الذي يسعى إلى الاحتفاظ برئاسة الحكومة، لا يمتلك معسكره الأغلبية المطلوبة، فيما يجد منافسه غادي آيزنكوت نفسه أمام المعضلة ذاتها، كيف يمكن تشكيل حكومة بديلة من دون الاستعانة بالقوائم العربية، التي باتت تملك وزنًا حاسمًا في الحسابات البرلمانية؟، ووفقًا للنتائج، حصل معسكر نتنياهو على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر الذي يقوده آيزنكوت، فيما حصدت القوائم العربية 19 مقعدًا من أصل 120 في “الكنيست”؛ وتعني هذه الأرقام أن أيًا من المعسكرين لا يستطيع تشكيل حكومة بأغلبية مستقلة، كما قلنا في مقال سابق، إذ يحتاج إلى 61 مقعدًا على الأقل لنيل ثقة البرلمان.

بين رفض الشراكة وعجز الأغلبية

ويواجه نتنياهو معادلة صعبة بعد إخفاق معسكره في تأمين الأغلبية البرلمانية، إذ لا تكفي المقاعد التي حصل عليها لضمان تشكيل حكومة جديدة، في وقت يواصل فيه رفض الاعتماد على الأحزاب العربية، واصفًا التحالف معها بأنه أمر “مخزٍ”، وفق ما نقلته وسائل إعلام عن تصريحاته خلال الانتخابات؛ أما آيزنكوت، الذي خاض المنافسة تحت شعار التغيير وإخراج نتنياهو من الحكم، فيواجه تناقضًا بين هدفه السياسي والحسابات التي تفرضها نتائج الانتخابات؛ فمعسكره، الذي حصل على 48 مقعدًا، يحتاج إلى دعم إضافي لا يستطيع توفيره من داخله وحده؛ ورغم أن القوائم العربية لا تشكل جزءًا من معسكره الأساسي، فإن التعاون معها، أو قبول دعمها من خارج الحكومة، قد يفتح أمامه مسارًا حسابيًا لتشكيل أغلبية برلمانية؛ غير أن آيزنكوت سبق أن استبعد تشكيل حكومة تعتمد على الأحزاب العربية، مستندًا إلى ما وصفه بغياب القيم المشتركة، ومن بينها تعريف “إسرائيل” دولة يهودية وديمقراطية.

وهنا تتجلى المفارقة؛ فالمنافسة على إسقاط نتنياهو لا تعني بالضرورة استعداد جميع أطراف المعارضة لتوسيع دائرة الشراكة السياسية، حتى عندما تصبح الأصوات العربية عاملًا مؤثرًا في تجاوز حاجز الأغلبية؛ إن إسرائيل تواجه أزمة في تشكيل الحكومة، رغم تقدم معسكر بنيامين نتنياهو بحصوله على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا لمعسكر غادي آيزنكوت، فيما حصلت الأحزاب العربية على 19 مقعدًا؛ إن هذه النتائج، التي تنتظر المصادقة الرسمية، تكشف عن ثلاث دلالات رئيسية؛ أولها أن نتنياهو حافظ على موقعه السياسي، لكنه فشل في تأمين أغلبية برلمانية تتيح له تشكيل حكومة من معسكره وحده؛ وثانيها أن آيزنكوت لم يتمكن من تحويل التقدم الذي منحته إياه استطلاعات الرأي والعينات التلفزيونية إلى أغلبية برلمانية؛ أما الدلالة الثالثة والأبرز، فتتمثل في ارتفاع التمثيل العربي إلى 19 مقعدًا، ما جعل الأحزاب العربية عنصرًا مؤثرًا في حسابات تشكيل الحكومة، رغم استمرار معظم الأحزاب الصهيونية في رفض الاعتماد عليها.

القوائم العربية تربك الحسابات

إن نتنياهو يمتلك، في ضوء هذه النتائج، عدة خيارات لتشكيل الحكومة، أبرزها استمالة حزب “معًا”، بقيادة نفتالي بينيت، الذي يمتلك 12 مقعدًا، وهو ما قد يرفع رصيد معسكره إلى 65 مقعدًا، غير أن هذا الخيار يصطدم بموقف بينيت الرافض للجلوس معه؛ وأوضح أن نتنياهو يستطيع أيضًا محاولة تشكيل حكومة وحدة مع أحزاب من معسكر آيزنكوت، أو استمالة ثمانية نواب من المعارضة للوصول إلى أغلبية 61 مقعدًا؛ إلى أن هذه الخيارات تواجه عقبات سياسية، خصوصًا أن أحزاب المعارضة خاضت الانتخابات على أساس إنهاء حكم نتنياهو، وبالتالي فإن مشاركتها في حكومة يرأسها ستفرض عليها التراجع عن أحد تعهداتها الانتخابية الأساسية؛ وفي المقابل، إن آيزنكوت يحتاج إلى 13 مقعدًا إضافيًا لتشكيل حكومة أغلبية من دون الأحزاب العربية، ما يجعل الأحزاب الحريدية خيارًا محتملًا أمامه؛ إذ يمتلك حزبا “شاس” و”يهدوت هتوراه” معًا 13 مقعدًا، ويمكن لانضمامهما إلى معسكره أن يمنحه أغلبية من 61 مقعدًا.

ونلفت إلى ظهور مؤشرات على استعداد جهات داخل حزب “يهدوت هتوراه” لمناقشة دعم حكومة برئاسة آيزنكوت، مقابل تفاهمات بشأن قانون تجنيد الحريديم؛ إلى أن هذا السيناريو يواجه عقبتين؛ الأولى رفض أفيغدور ليبرمان التحالف مع الأحزاب الحريدية، والثانية صعوبة التوصل إلى تسوية بشأن التجنيد تتوافق مع تعهدات آيزنكوت وحلفائه؛ غير أن الإمكانية الحسابية قائمة، لكن ترجمتها إلى اتفاق سياسي تتطلب تنازلات جوهرية من أطراف متعددة؛ وفيما يتعلق بفرص استمالة أحزاب أو نواب من المعسكر المقابل، نؤكد أن نتنياهو يمتلك أفضلية حسابية، لأنه يحتاج إلى ثمانية مقاعد فقط، بينما يحتاج آيزنكوت إلى 13 مقعدًا؛ غير أن آيزنكوت يمتلك فرصة مختلفة تتمثل في محاولة تفكيك التماسك السياسي لمعسكر نتنياهو، سواء من خلال التفاهم مع الأحزاب الحريدية أو استمالة نواب من حزب “الليكود”؛ إن انتقال ثلاثة نواب من معسكر نتنياهو إلى معسكر آيزنكوت سيغير موازين القوى، لتصبح 51 مقعدًا لآيزنكوت مقابل 50 لنتنياهو، وهو ما قد يفتح المجال أمام تشكيل حكومة أقلية، إذا امتنع النواب العرب عن التصويت ضدها.

حيل نتنياهو والانتخابات

هذه الاحتمالات لا تزال نظرية، ولا توجد حتى الآن تفاهمات معلنة تكفل تنفيذها، خصوصًا أن انتقال النواب بين المعسكرين يرتبط بحسابات حزبية وشخصية معقدة؛ إن نتنياهو وآيزنكوت يرفضان التعامل مع الأحزاب العربية في تشكيل الحكومة، في حين لا يمكن لأي منهما تشكيل حكومة من دون الاستعانة بأطراف من خارج معسكره؛ إن خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية بالتناوب سيبقي نتنياهو في رئاسة الوزراء لمدة عامين، على أن يتولى آيزنكوت المنصب بعده، واستبعد وصول الأخير إلى رئاسة الحكومة في ظل هذا السيناريو؛ إن نتنياهو قد يلجأ، بعد ستة أشهر أو عام من تشكيل الحكومة، إلى حل الائتلاف والتوجه نحو انتخابات جديدة، بما يحول دون وصول آيزنكوت إلى رئاسة الوزراء، على غرار ما حدث مع بيني غانتس عام 2019.

إن السيناريو المرجح، وفق تقديرنا، يتمثل في اتفاق نتنياهو وآيزنكوت على تشكيل حكومة مشتركة، مع إقناع نتنياهو لآيزنكوت بأن يتولى رئاسة الحكومة أولًا؛ وفي هذه الحالة، سيبقى نتنياهو في صدارة المشهد السياسي ودوائر صنع القرار رئيسًا للحكومة لمدة تتراوح بين ستة أشهر وعام، قبل أن يعمل على حل الحكومة والدعوة إلى انتخابات جديدة خلال 90 يومًا؛ وهنا نستطيع أن نشير إلى سيناريو آخر يتمثل في سعي نتنياهو إلى إحداث انشقاق داخل معسكر المعارضة، بقيادة تحالف “أزرق أبيض”، من خلال استمالة عدد من النواب أو الفائزين والمرشحين في صفوفه، وإقناعهم بالانضمام إلى معسكره مقابل تقديم امتيازات لهم.

وإلى لقاء أخر باذن الله.


الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية

شاهد أيضاً

د. عامر عيد يكتب .. الأبعاد الإنسانية وتحولات الأمن الإقليمي .. صفقة الديزل بين واشنطن وموسكو، هل بدأت موازين القوى العالمية تتغير؟ (5-5)

في الوقت الذي حسّن فيه الحوثيون قدراتهم على إنتاج الأسلحة، تعرضت الدفاعات الجوية لحلفاء الولايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *