في الوقت الذي حسّن فيه الحوثيون قدراتهم على إنتاج الأسلحة، تعرضت الدفاعات الجوية لحلفاء الولايات المتحدة في المنطقة لضغوط متزايدة منذ اندلاع الحرب التي بدأت عندما هاجمت الولايات المتحدة وإسرائيل إيران في أواخر فبراير؛ واستخدمت الولايات المتحدة كميات كبيرة من الصواريخ الاعتراضية التي تنشرها في المنطقة لحماية قواعدها وحلفائها، بمن فيهم إسرائيل ودول الخليج، مما جعل بعض هذه الأطراف أكثر عرضة للهجمات، ولا سيما السعودية.
إنهاك الحرب والخبرة من الحروب
قال فرزان ثابت، الخبير في شؤون الشرق الأوسط بمعهد الدراسات العليا في جنيف: “إن السعودية، من حيث مستوى التطور العسكري وبناء شبكة دفاع جوي متكاملة، لم تصل بعد فعلياً إلى مستوى إسرائيل أو أوكرانيا، وهي تواجه ببساطة مهمة بالغة الصعوبة”؛ وأضاف أن المساحة الجغرافية الشاسعة للسعودية تجعل الدفاع عنها ضد الهجمات الجوية أكثر صعوبة من الدفاع عن إسرائيل أو عن قاعدة عسكرية أمريكية.
وأضاف ثابت أن الحوثيين استفادوا من تصاعد مستويات العنف في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، واكتسبوا خبرات جديدة؛ فقد دخلت الحرب الأهلية اليمنية، التي خاض فيها الحوثيون القتال ضد قوات مدعومة من السعودية منذ عام 2014، في حالة من وقف إطلاق النار الهش عام 2022؛ لكن بعد الهجوم الإسرائيلي على غزة عام 2023، الذي جاء عقب هجمات دامية قادتها حركة حماس على إسرائيل، بدأ الحوثيون إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل واستهداف حركة الملاحة عبر البحر الأحمر؛ وأدت تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية هذا العام إلى إعادة إشعال الحرب الأهلية اليمنية، بعدما كان الحوثيون قد طوروا قدرات جديدة؛ وقال ثابت: “لم يكونوا جالسين بلا حراك؛ لقد كانوا، في الأساس، ينوعون سلاسل إمدادهم، ومع اكتسابهم مزيداً من الخبرة العملياتية، أصبحوا قادرين على جعل تلك الأسلحة أكثر تطوراً”.
الأبعاد الإنسانية وتحولات الأمن الإقليمي
تصاعدت حدة المواجهات وأخذت أبعادًا ميدانية أكثر خطورة واعتمدت أساليب عدوانية في توجه وحركة جماعة الحوثيين تجاه المملكة العربية السعودية باستهدافهم لأماكن ومواقع مدنية ومنشآت خدمية وتنموية ومطارات وموانئ بحرية، كان آخرها ما قامت به هذه العناصر من توجيه صواريخها الباليستية تجاه مطار الملك خالد في العاصمة السعودية (الرياض) يوم العاشر من تشرين الأول 2026 والذي أدى إلى استشهاد 12 شخصًا وإصابة 309 آخرين، ثم تبعه عدوان آخر في اليوم التالي أدى إلى استشهاد مواطن وجرح 11 آخرين؛ إن العدوان الأثم لا يمثل اعتداءًا على سيادة دولة لها حضورها الدولي والإقليمي وإحدى الدول الفاعلة في منظمة الأمم المتحدة، وإنما يحمل أبعادًا انسانية وأمنية وسياسية كونه اصاب مواطنين أبرياء كانت وجهتهم حيث الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة لأداء شعائر العمرة ومنهم من كانت وجهته لأهله وبلده حيث المغادرة من المطار عبر رحلات جوية مدنية، وعبر الحادث عن السياسة التي يتبعها الحوثيين ويعمل عليها في توسيع نطاق الضغط على أراضي السعودية من جهة الأراضي اليمنية إلى داخل العمق المدني الاستراتيجي لتحقيق أهدافه وغاياته في التأثير الميداني وخلق حالة من التوتر والتأزم وتوسيع دائرة المواجهة وفرض ارادات خارجية ذات أبعاد إقليمية.
ويمثل مطار الملك خالد مرفق مدني خدمي يستخدمه المسافرون والعاملون وشركات الطيران واستهدافه يعني الامعان في إيذاء الأبرياء والحاق الأضرار بمرفق حيوي والاسهام في تعريض حياة المدنيين للخطر وعدم وضع أي معايير انسانية في الاهتمام بحياتهم، واستهدافهم يمثل جريمة حرب وعنوان لهجوم عشوائي بغيض؛
لم يتوقف الضرر على أعداد الشهداء والمصابين المدنيين، بل حالة الخوف والفزع التي انتابت المسافرين واثرت على اوضاعهم النفسية وارهقتهم جسديًا واصابتهم بالخوف والذعر، وادت إلى التأثير على حركة واضطراب الرحلات الجوية وانسيابية العمل داخل أروقة ومباني المطار المدني؛ انتقال الهجوم الغاشم من مواقع ومقرات عسكرية إلى مرفق حيوي داخل العاصمة السعودية، يهدف إلى قياس القدرة على اكتشاف التهديدات واعتراضها وحماية المنشآت وتعزيز أدوات وأساليب مواجهتها في ضمان استمرار حركة الطيران واستئنافها بأمان وحماية الطائرات والمسافرين وتعزيز إمكانية الدولة المستهدفة على طمأنة المواطنيين وشركات الطيران إلى أن المرافق الحيوية لا تزال آمنة وضمن الخطط الكفيلة المقررة للدفاع عنها.
الدوافع الرئيسية والمنشآت الحيوية
وهنا يبرز سؤال مهم وحيوي، ما هي الدوافع الرئيسية لعملية استهداف مطار الملك خالد؟، ويمكن أن نحدد أهم الدوافع الغاشمة التي تبناها الحوثيين في تحقيق أهدافهم بالضغط النفسي على المواطنين والتأثير على حياتهم وتعطيل حركة المطار بما ينعكس سلبيًا على حركة السفر وانتقال الأفراد واستهداف الوضع الأمني الذي يتجاوز في أهميته الأضرار المادية الاقتصادية، ثم التأثير على حالة الاستقرار والهدوء التي تتمتع بها المملكة العربية السعودية بتكرار الهجمات التي ترسل رسائل مفادها أن التهديد بإمكانه الوصول إلى مراكز حيوية وهو ما تهدف إليه جماعة الحوثيين في التأثير على قرارات شركات الطيران والمستثمرين ورجال الأعمال، وتوسيع نطاق الضغط السياسي على المواقف السعودية تجاه اليمن عبر رفع تكلفة المواجهة والدعم المساند للقيادة الشرعية اليمنية.
أن مواجهة الأخطار والهجمات العبثية للحوثيين تتطلب إجراءات سريعة في توسيع منظمومة العمل الأمني الخليجي العربي بتعزيز حماية المطارات والمنشآت الحيوية وتحسين الاعداد الدائم للانذار المبكر والتنسيق مع أجهزة الدفاع الجوي والطيران المدني، بما يحقق حالة الردع المقابل وتعزيز تبادل المعلومات والعمل على التكامل في حماية المجال الجوي والمنشآت الحيوية، واعطاء الأهمية في اعتبار الهجمات على المطارات المدنية السعودية هي ليست حالة داخلية، بل قضية تهم وتتصل بأمن الطيران الإقليمي والدولي؛ عندما نريد أن نستعرض الآثار السلبية لعملية استهداف مطار الملك خالد، علينا أن نحدد أن الاستهداف ليس تهديدًا للأمن السعودي، بل اختبار لمدى تماسك المنظومة الأمنية الخليجية العربية وقدرتها على حماية المجال الجوي المشترك، والتي من خلالها يمكن تحقيق وحدة المجال الأمني الخليجي والتي من الممكن أن تستهدف أماكن حيوية تتعلق بالبنية التحتية المدنية للمنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء التي ترتبط باستمرارية الحياة الاقتصادية والاجتماعية لمواطني اقطار مجلس التعاون الخليجي العربي، وهو الامر الذي يجب الانتباه إليه واتخاذ الإجراءات الوقائية لمواجهته بإرادة سياسية مشتركة وقدرات دفاعية متكاملة واستجابة عملية لتهديدات الحوثيين وأي أطراف وجماعات إقليمية عابرة للحدود.
تمت،
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
