الثلاثاء , 3 نوفمبر 2026

حجاج أول عويشة تكتب.. مراثي الجذور

مراثي الجذور
تمخّضتْ…
وقاستْ من أوجاع المخاض ما لا تطيقه الجبال،
فما أنجبتْ سوى أشواكٍ
تسلّلت إلى حنجرتها،
واستوطنتْ حناياها،
حتى غدا صوتها صلاةً مبحوحة
تستعصي على البوح،
وقلبها أرضاً تستنزفها المواسم العجاف.
انتظرتْ طويلاً…
كانت تُخبّئ في أكفّها مواسم الربيع،
وتسقي براعم الروح من فيض الحنان،
وتحسب أن ما غُرس في تربة القلب
لا بدّ أن يردّ الجميل يوماً،
وأن الأغصان، مهما سمتْ،
لا تنسى اليد التي علّمتها كيف تعانق السماء.
لكنّها، ويا لمرارة الحصاد،
استيقظت ذات خريفٍ
لتجد نفسها امرأةً ثكلى،
تستجدي من ثمارها بعض الحنان،
وتلتمس من ظلالها دفءَ الأمان،
كأنّها لم تكن يوماً الجذر،
ولا كانت الينبوع،
ولا كانت الأرض التي احتملت عواصف البدايات.
أيُّ مفارقةٍ هذه؟
أن يصبح الحبُّ في موطنه غريباً،
وأن تستجدي الأمومةُ اعترافاً
من أرواحٍ كان لها في النبض مقام.
فالحبّ الذي يُقاس بالمقابل
ليس حبّاً،
والجذور لا تُنكر طينتها
وإن حلّقت الأغصان فوق السحاب،
والدم لا يستأذن العروق
كي يمضي في مجراه.
غير أنّنا في زمنٍ
تعلّمت فيه الأزهارُ التنكّر لتربتها،
وتنكّرت السنابلُ لليد التي بذرتْها،
وجحدت الأغصانُ فضلَ الغيث
حين استوت على عرش الخضرة.
زمنٌ صار فيه الوفاءُ تهمة،
والامتنانُ عبئاً على الذاكرة،
وصار الاعتراف بالجميل
كأنّه انحناءٌ لا يليق بكبرياء الثمار.
ولم تعد الأرضُ تنتظر حصاداً،
بل صارت تخشى أن تُثمر،
فكلّما أهدتْ غصناً إلى السماء
عاد إليها شوكاً
يمزّق ما تبقّى من صبرها.
ومع ذلك…
لا تكره الأرضُ أبناءها،
ولا تُطفئ الشمسُ نورها
لأنّ بعض النوافذ أغلقت أبوابها،
لكنّ في صمتها حكمةً موجعة:
ليس كلُّ من احتضنته الجذورُ
جديراً بأن يحمل اسمها،
وليس كلُّ من شرب من الغيث
يعرف كيف يشكر السماء.
فثمة قلوبٌ
لا يوقظها الحنان،
وثمة أرواحٌ
كلّما اتّسعت ظلالها
ضاقت ذاكرتها عن جذورها.
ويبقى الوطن….
تلك القصيدة التي لا تنتهي،
والأرض التي لا تطلب من زهرها ثمناً،
غير أنّ أكثر ما يكسرها
ليس جحودُ المواسم،
بل أن ترى ما أفنت عمرها لتزهره
يستكثر عليها
حتى التفاتةَ وفاء.

الجزائر

شاهد أيضاً

نبيلة متوج تكتب.. لِقاءٌ مُؤجَّلٌ

مَدهشٌ ذاكَ المكانُ..امتَلَأََ رُويدًا رُويدًابِقلبَينِ مُتيَّمَينِاِحتَلَّا مَقعدَينِ،حَولَ طاولَةٍ مُستديرَةٍرَجلٌ مِنْ جَمْرٍ…وَ امرَأةٌ صوتُها مُوسيقىٰفي ضِفَةٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *