رمز ديني وطني يؤمن بأن وحدة المصريين صمام أمان الوطن
مصطفى ياسين
في الرابع من نوفمبر عام 1952، وُلد قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، ليبدأ رحلة حياة امتزج فيها الإيمان بالعلم، والخدمة الدينية بالمسؤولية الوطنية، وصولًا إلى اعتلائه الكرسي البابوي عام 2012، ليصبح أحد أبرز الرموز الدينية والوطنية في مصر والمنطقة.
وفي ذكرى ميلاده الرابعة والسبعين، لا تتوقف محطات التقدير عند مسيرته الكنسية فحسب، وإنما تمتد إلى مواقفه الوطنية والإنسانية، وإسهاماته في تعزيز قيم المواطنة والتسامح والتعايش، وتأكيد أن المسلمين والمسيحيين أبناء وطن واحد، تجمعهم الأرض والتاريخ والمصير المشترك.
من الصيدلة إلى الكرسي البابوي
وُلد البابا تواضروس الثاني باسم وجيه صبحي باقي سليمان، في مدينة المنصورة، وتخرج من كلية الصيدلة بجامعة الإسكندرية 1975، ثم حصل على دراسات في الصحة والصيدلة، قبل أن يتجه إلى الحياة الرهبانية، حيث ترهبن بدير الأنبا بيشوي بوادي النطرون 1988، ورُسم أسقفًا عامًا فى 1997.
وفي الرابع من نوفمبر 2012، جرى اختياره بالقرعة الهيكلية ليكون البابا رقم 118 في تاريخ الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، خلفًا للبابا شنودة الثالث، ليبدأ مرحلة جديدة من قيادة الكنيسة، في ظل ظروف سياسية واجتماعية دقيقة مرت بها مصر.
لحظة فارقة
من أبرز المواقف التي سجلها التاريخ للبابا تواضروس الثاني مشاركته في مشهد الثالث من يوليو 2013، عندما أعلن الفريق أول عبدالفتاح السيسي، وزير الدفاع آنذاك، خارطة الطريق عقب أحداث 30 يونيو.
وقد شارك البابا في هذا اللقاء إلى جانب ممثلي الأزهر والقوى الوطنية، تأكيدًا على موقف الكنيسة الداعم لإرادة المصريين، وحرصها على تجنيب البلاد مخاطر الانقسام والفوضى.
ولم يكن هذا الموقف مجرد مشاركة في حدث سياسي، بل عكس رؤية وطنية تعتبر أن الكنيسة جزء أصيل من النسيج المصري، وأن مسؤوليتها لا تنفصل عن أمن الوطن واستقراره، مع التأكيد على احترام مؤسسات الدولة ودعم وحدة المجتمع.
شركاء الوطن
لعل أهم ما يميز خطاب البابا تواضروس الثاني، حرصه الدائم على التأكيد أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في مصر ليست علاقة تعايش عابر، وإنما علاقة تاريخية ممتدة، صنعتها وحدة الأرض والنيل والحضارة، ورسختها مواقف المصريين عبر العصور.
وقد عبّر قداسته عن هذه الرؤية في أكثر من مناسبة، مؤكدًا أن المصريين جميعًا يشربون من نهر النيل نفسه، وأن الاعتدال والتسامح من طبيعة الشخصية المصرية. كما دعا إلى العمل المشترك بين أبناء الوطن لمواجهة التطرف والكراهية، والحفاظ على السلام المجتمعي.
وتجلت هذه الروح في حرصه على التواصل المستمر مع فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وتبادل الزيارات والتهاني في المناسبات الدينية والوطنية، بما يعكس عمق العلاقة بين المؤسستين الدينيتين الكبيرتين، ويؤكد أن الاختلاف في العقيدة لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف في المواطنة أو تنازع على الوطن.
كما كان لزياراته ومشاركاته في اللقاءات المشتركة مع القيادات الإسلامية والشخصيات الوطنية أثر مهم في دعم ثقافة الحوار، وترسيخ مفهوم أن حماية المجتمع مسؤولية جماعية، وأن مواجهة الفتن الطائفية تبدأ بتعزيز المحبة والاحترام المتبادل، والابتعاد عن خطاب التحريض والتعصب.
رسالة المحبة
يحمل شعار البابا تواضروس الثاني «المحبة لا تسقط أبدًا» دلالة عميقة على فلسفته في القيادة والخدمة، فهو يرى أن المحبة ليست مجرد قيمة روحية، بل أساس لبناء المجتمعات المستقرة، وأن الدين الصحيح يدعو إلى السلام والتراحم واحترام الإنسان.
وقد حرص قداسته على أن تكون الكنيسة مؤسسة روحية وخدمية، تهتم بالتعليم والتنشئة ورعاية الشباب والأسرة، وتشارك في خدمة المجتمع، دون أن تنعزل عن قضاياه الوطنية والإنسانية.
ومن المواقف اللافتة أيضًا رفضه أن تتحول آلام الأقباط أو الاعتداءات التي تتعرض لها بعض الكنائس إلى مبرر للانتقام أو الانقسام، مؤكدًا أهمية التمسك بالوحدة الوطنية وعدم السماح لأصحاب الأفكار المتطرفة بإشعال الفتنة بين أبناء الشعب الواحد.
وفي هذا السياق، جاءت مواقفه عقب الاعتداءات التي طالت عددًا من الكنائس والمنشآت القبطية عام 2013، ومقولته الشهيرة (وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن)، لتؤكد أهمية احتواء الأزمات والحفاظ على النسيج الوطني، وعدم الانجرار إلى ردود أفعال تضر بمستقبل البلاد.
مسؤولية مشتركة
وعلى الصعيد السياسي، تبنى البابا تواضروس رؤية تؤكد أهمية استقرار الدولة المصرية ومؤسساتها، وضرورة المشاركة الوطنية في مواجهة التحديات. كما دعم مسار بناء الدولة الحديثة، وساند الجهود الرامية إلى ترسيخ المواطنة الدستورية، وتكريس المساواة بين المصريين.
ومن المحطات المهمة في عهده صدور قانون بناء وترميم الكنائس عام 2016، الذي مثل خطوة تشريعية مهمة لتنظيم هذا الملف، إلى جانب مشاركة الكنيسة في الحوار الوطني والمجتمعي حول قضايا الدولة والمجتمع.
ولم تقتصر رسالته على الداخل المصري، بل امتدت إلى أبناء الكنيسة في بلاد المهجر، حيث حرص على زيارتهم وتعزيز ارتباطهم بوطنهم الأم، وتأكيد أن الانتماء لمصر يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن المصريين بالخارج سفراء لقيم التسامح والتعايش.
رؤية دينية
وعلى المستوى الكنسي والدولي، اهتم البابا تواضروس بتعزيز علاقات الكنيسة القبطية بالكنائس الأخرى، وشارك في لقاءات مسكونية وحوارات دينية دولية، من بينها لقاؤه بالبابا فرنسيس في الفاتيكان عام 2013، في خطوة عكست انفتاح الكنيسة القبطية على الحوار والتعاون بين الطوائف المسيحية.
كما ظل موقفه من القضية الفلسطينية حاضرًا في اهتماماته، انطلاقًا من أهمية حماية الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وقد أثارت زيارته الاستثنائية للقدس عام 2015، للمشاركة في صلاة جنازة الأنبا إبراهام مطران القدس، نقاشًا واسعًا، وأكدت الكنيسة وقتها أنها جاءت لاعتبارات إنسانية وكنسية خاصة، وليست تغييرًا لموقفها من زيارة الأراضي المقدسة.
قدوة في التسامح والانتماء
إن الاحتفال بعيد ميلاد البابا تواضروس الثاني ليس مجرد مناسبة لتسجيل سنوات العمر، وإنما فرصة للتوقف أمام تجربة دينية ووطنية مهمة، جسدت ارتباط المؤسسة الدينية بقضايا المجتمع، وأهمية أن يكون رجال الدين دعاة سلام ومحبة وتسامح.
فمصر، بتاريخها وحضارتها، قامت على التنوع والتعدد، وكان المسلمون والمسيحيون دائمًا شركاء في صناعة تاريخها والدفاع عن أرضها وبناء مستقبلها. وتبقى رسالة البابا تواضروس بأن المحبة لا تسقط أبدًا دعوة متجددة لكل المصريين إلى التمسك بوحدتهم، والابتعاد عن التعصب، والعمل من أجل وطن يتسع للجميع.
وفي عيد ميلاده الرابع والسبعين، تظل أسمى التهاني لقداسته مقرونة بالأمل في استمرار دوره الروحي والوطني، وأن تظل المحبة والمواطنة والسلام جسورًا تجمع المصريين، ليبقى الوطن قويًا بتماسك أبنائه، مسلمين ومسيحيين، تحت راية مصر الواحدة.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
