إلى متى يظل الريف يدفع ثمن الإهمال؟ وإلى متى تظل القرى خارج حسابات المسؤولين وكأنها تعيش على هامش الوطن؟ كيف يُطلب من أهل الريف الصبر والتحمل وهم يواجهون نقص الخدمات وارتفاع الأسعار وغياب الرقابة وتوحش بعض التجار الذين وجدوا في غياب المحاسبة فرصة لفرض سطوتهم على الأسواق؟
الريف ليس مجرد قرى بعيدة عن المدن وليس مجرد أسماء على الخرائط بل هو قلب الوطن النابض وسواعد تعمل وتزرع وتنتج وتتحمل أعباء الحياة ومع ذلك لا تزال قرى كثيرة تعاني من ضعف الخدمات وتدهور الطرق ونقص وسائل النقل ومشكلات الصرف الصحي وتراجع مستوى النظافة واحتياج الوحدات الصحية إلى الإمكانات اللازمة
والمأساة أن معاناة أهل الريف لا تتوقف عند حدود الخدمات بل تمتد إلى الأسواق التي تحولت في بعض الأماكن إلى ساحة مفتوحة للاستغلال فهناك من يرفع الأسعار بلا مبرر وهناك من يتحكم في السلع ويبالغ في الأرباح وهناك من يتعامل مع احتياجات الناس وكأنها فرصة لتحقيق مكاسب على حساب لقمة العيش
أين الرقابة التموينية؟ وأين حملات التفتيش؟ وأين حماية المستهلك من التلاعب بالأسعار والاحتكار والغش التجاري؟ ولماذا يشعر الناس أن الرقابة غائبة بينما تظل معاناتهم حاضرة كل يوم؟
والأكثر قسوة أن أهل القرى لا يطلبون المستحيل فهم لا يريدون امتيازات خاصة بل يريدون طرقا آمنة ووحدات صحية تقدم خدمة حقيقية ومياها نظيفة وصرفًا صحيًا مناسبًا ومواصلات آدمية وأسواقا تخضع للقانون وأسعارًا لا تتحول إلى سكين في رقاب الأسر البسيطة
إن العدالة في الخدمات لا تعني أن تكون المدينة وحدها صاحبة النصيب الأكبر من الاهتمام بينما يظل الريف ينتظر دوره فالمساواة الحقيقية أن تصل الخدمات إلى كل قرية وأن يشعر الإنسان في أبعد نجع أن حقوقه ليست أقل من حقوق من يسكن في قلب المدينة
والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة من يحاسب المقصر؟ ومن يراقب الأسواق؟ ومن يتحمل مسؤولية القرى التي تعاني يومًا بعد يوم؟ وهل أصبحت شكاوى الناس مجرد أوراق تحفظ في الأدراج دون حلول حقيقية؟
إن إنقاذ الريف لا يحتاج إلى تصريحات براقة بقدر ما يحتاج إلى متابعة ميدانية ومحاسبة حقيقية وخطة واضحة بمواعيد تنفيذ معلنة فالخدمات حق وليست منحة والرقابة واجب وليست مجاملة وحماية الناس مسؤولية لا تقبل التأجيل.
كفى تجاهلًا لمعاناة الريف فكفى أن تكون المسافة بين القرية والمدينة مسافة في مستوى الحقوق والخدمات فالريف الذي يطعم الوطن لا يستحق أن يظل جائعًا إلى الخدمات والاهتمام والعدالة
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
