يوم الثلاثاء الماضى كتب الصديق سليمان جودة مقالا مهما فى «المصرى اليوم» تحت عنوان «الانتظار المعيب»، تحدث فيه عن أزمة العالم العربى، وكيف تقف ٢٢ عاصمة عربية فى انتظار ما يجرى فى عاصمتين اثنتين، إحداهما فى تل أبيب، والثانية فى واشنطن.
الآن انفضت الانتخابات الأمريكية، وخسر ترامب وحزبه الخسارة الأضخم فى تاريخ الانتخابات الأمريكية على المستويات الثلاث (الشيوخ، والنواب، وحكام الولايات)، وتحول ترامب بلغة الأمريكيين من «ديك رومى» إلى «بطة عرجاء»، يحاول جاهدا السير فوق الأشواك خلال ما تبقى من ولايته الرئاسية.
اعترف ترامب بالهزيمة فى مشهد مفاجئ للكثيرين، مشيرا إلى أن إيران لعبت دورا فى خسارة الحزب الجمهورى، ويقصد الحرب على إيران وتكلفتها وآثارها الاقتصادية على المجتمع الأمريكى.
ليس معنى ذلك أن الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران قد وضعت أوزارها، وأنها انتهت بالفعل، وربما يكون الموقف وقت قراءة هذا المقال متغيرا تماما، فى سيناريو سوف يكون هو الأسوأ، كما توقع الصحفى الأمريكى تاكر كارلسون قبل عدة أيام، مشيرا إلى تحريض نتنياهو للرئيس الأمريكى ترامب لضرب إيران بالسلاح النووى التكتيكى، وأن القرار قد يتم اتخاذه اليوم السبت.
مشكلة ترامب تكمن فى شخصيته وتحكم حالته المزاجية والنفسية فى قراراته، وهو ما جعله يعيث فسادا بالمؤسسات الأمريكية، لكن رد فعل الشعب الأمريكى كان أسرع فى التصويت ضد تلك التوجهات، وإيصال رسالة قوية بعلم الوصول إليه برفضهم لكل تلك التصرفات، وإعادة ضبط بوصلة السياسة الأمريكية لصالح المؤسسات الأمريكية.
أعتقد أن هناك فرصة مواتية لتحرك عربى عاجل لإعادة ضبط المشهد فى المنطقة بعيدا عن واشنطن وتل أبيب، وبما يصب فى خانة المصالح العربية المشتركة، ومصالح المنطقة التى سوف تكون المتضرر الأكبر من أى مغامرات عسكرية قد تعصف باستقرار المنطقة واقتصادها، وتساهم فى تعقيد المواقف أكثر وأكثر.
أى تصعيد محتمل لن يخدم سوى شخص نتنياهو وأفكاره المتطرفة وأحلامه التوسعية واستمرار بقائه فى السلطة، رغم نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة التى أكدت انقسام المجتمع الإسرائيلى عموديا، ورفض الأغلبية ـ باحتساب المقاعد العربية ـ لوجود نتنياهو فى الحكم.
المشكلة الحقيقية تكمن فى «السكون» العربى والاكتفاء بالمواقف الفردية، وقد آن الأوان لتحرك عربى فاعل ومؤثر لمنع الانزلاق نحو الهاوية، واستغلال الظروف الحالية المواتية بعد الانتخابات الأمريكية، والتعامل نفسيا وعمليا مع ترامب لوقف التصعيد، وقد يكون من الأفضل التوصل إلى تفاهمات جديدة يكون فيها الدور العربى واضحا من خلال نصوص واضحة وقوية تتعلق بضمانات للأمن القومى العربى، ورفض المساس بأمن وسلامة الدول العربية، ووقف التصعيد على مختلف الجبهات، وتفعيل خطة ترامب للسلام فى غزة.
أتمنى ألا تضيع تلك الفرصة من العالم العربى ـ كما تضيع الفرص عادة للأسف الشديد ـ وأن يكون هناك اجتماع عربى عاجل لجامعة الدول العربية بالقاهرة، يحضره قادة الدول العربية بلا استثناء، لأخذ زمام المبادرة والبناء على نتائج انتخابات أمريكا وإسرائيل دون مماطلة أو تأخير.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
