السبت , 7 نوفمبر 2026

د. جيهان رفاعى تكتب .. لماذا نختار الشريك الخطأ.. ونحن نعلم أنه خطأ؟


نمر في دروب الحياة، فنلتقي بقلوب تشبه المتاهة؛ نبصر أول الخيط فنعلم أنه الوبال، ونلمح آخره فنوقن أنه الزوال، ومع ذلك نخطو بملء إرادتنا، ونلقي بأنفسنا في تنور حيرتنا! فكيف يقع اللبيب في فخ الهوى وهو بصير؟ وكيف يسير العاقل في طريق الأذى وهو خبير؟
إنها الجدلية الأزلية، والمحنة النفسية؛ بين عقل يزن الأمور بميزان الرصانة، وقلب يدفع صاحبه نحو الإهانة.
أول الأسباب وأقواها، هو غريزة الإنقاذ التي نقع في أسرها؛ فنرى في الشخص المائل جداراً نود أن نقيمه، وفي طبعه العوج خلقاً نرغب أن نستقيمه. نتوهم أن حبنا سيشفي جراحه، وأن حناننا سينسيه جفاه وشقاءه.
وفي هذا الصراع بين المرض والشفاء، ننسى أننا لسنا بمصحات لعلاج القلوب، وأن بعض الطباع مستورة في الغيوب؛ لا يغيرها ود صادق، ولا يمحوها دمع دافق. نسقط في فخ الاختيار، ظناً منا أننا سنملك القرار، ونغفل عن حقيقة مرّة: مَن اعتاد العتمة، قد تؤذيه أنوار اليقظة والنعمة.
عجباً للنفس البشرية! كيف تنجذب لما يؤذيها، وتزهد فيما يداويها؟
يقول علماء النفس إننا في الغالب لا نبحث عن الأفضل، بل نركض خلف “المألوف”؛ فإذا نشأ الإنسان في بيئة يسودها الجفاء، وتجرّع في صغره ألواناً من الشقاء، انطبعت في عقله الباطن صورة الحب المشوّه.
فإذا التقى بشخص يمنحه الأمان، شعر بالملل والخذلان, وإذا التقى بمن يذيقُه الهوان، رأى فيه الشغف والوجدان! إنه التباس خفي بين الألم والأمل؛ حيث يخلط التعلق بالمرارة، وتتحول الخسارة في عيوننا إلى جدارة. نختار السجن الذي نعرف تفاصيل قضبانه، على الحرية التي نجهل آفاقها وألوانها.
و المعضلة الكبرى لا تكمن في الجهل، بل في “الإنكار”؛ فنحن لا نملك عيوناً خادعة، بل نملك أمنيات عمياء. حين تلتقي العيون، تبدأ العاطفة في صياغة الأعذار، وتلوين الأقدار. نرى العيب واضحاً كالشمس، فنهمس لأنفسنا: “سيتغير غداً”، ونلمس الجفاء بارداً كالثلج، فنقول: “هو فقط يمر بظرف صعب”.
إنه الهروب من مواجهة الحقيقة، وضيق الحيلة في العثور على طريقة؛ فنشتري قرباً يمزقنا، خوفاً من بُعد قد يعتقنا!
لذا يجب أن نبحث عن بوصلة التعافي بخطوات نحو الاختيار الرشيد.
إن الهدف الأسمى من وعينا بهذه المتاهة، ليس جلد الذات، بل كسر هذه الحلقة المفرغة ونيل النجاة. وللخروج من ضيق الحيرة إلى سعة البصيرة، يكمن الحل الناجح في خطوات ثلاث:

  • أولاً: شفاء الداخل قبل الارتباط بالخارج؛ فمَن يخوض غمار العلاقات بروح مكسورة، يبحث لا شعورياً عمن يشبه تصدّعه، لا عمن يكمل نقصه. اعتدال أوتاركِ الداخلية هو الضمان الوحيد لكي لا تنجذبي للألحان المشوّهة.
  • ثانياً: إعلاء صوت الموقف على حساب العاطفة؛ فالمؤشرات الأولى التي نتغاضى عنها بدعوى التسامح، هي ذاتها الخناجر التي سنُطعن بها في ختام المطاف. المرء يُقرأ بأفعاله الحاضرة، لا بوعوده الآجلة.
  • ثالثاً: فك التلازم بين الحب والمعاناة؛ فقد أقنعنا الموروث المغلوط أن الهوى لا يكتمل إلا بالشقاء والدموع، بينما الحقيقة أن الحب السوي يبني السكينة، ويمنح الطمأنينة، ويعيد للإنسان اتزانه لا شتاته.
    وتأتي التوصية الغالية لتلخّص المسار: لا تجعلْ من شريك حياتك مشروعاً لإعادة الإعمار، بل اختر مَن يدخل عالمك ببناء جاهز من النضج والاحترام؛ فالقلوب لم تُخلق لتكون حقولاً للتجارب، بل واحات لتبادل المودة والتقارب.
    إن اختيار الشريك الخطأ مع العلم بخطئه ليس نقصاً في الذكاء، بل هو ظمأ في الوجدان، وبحث ضال عن الأمان. وحين نستوعب دروب أنفسنا، ونداوي جراح ماضينا، سنتوقف عن إلقاء مراسينا في الشواطئ الصخرية، ولن نرتضي لقلوبنا إلا السكينة والنقاء، والرفقة التي تحمل في طياتها النماء والارتقاء.
    ولأن معرفة السبب هي نصف الطريق.. انتظروا المقال القادم والعميق، حيث سنناقش بالخطوات العملية: كيف نتغلب على قيد الغياب والخوف من الفقد؟ تابعونى لتصلكم التكملة.

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة يكتب .. أمة تملك كنوز الأرض .. لماذا فقدت قراراها ومصيرها؟

من المحيط الى الخليج ثروات تنهب وأوطان تتمزق وشعوب تدفع ثمن غياب المشروع العربىهناك أسئلة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *