قد تنفق إحدى المستشفيات ميزانية كبيرة على التسويق، وتطلق حملات إعلانية ناجحة، وتحقق معدلات وصول مرتفعة، بل وتستقبل عدداً كبيراً من الاستفسارات والحجوزات. لكن ماذا لو لم يعد هؤلاء المرضى مرة أخرى؟
هنا يصبح من الضروري طرح سؤال مختلف: هل المشكلة دائماً في قدرة المؤسسة على جذب المرضى، أم أن هناك شيئاً يحدث بعد وصولهم يجعلهم لا يرغبون في تكرار التجربة؟
في رأيي، هذه واحدة من القضايا التي تستحق اهتماماً أكبر في قطاع الرعاية الصحية. فالمؤسسات الصحية أصبحت أكثر وعياً بأهمية التسويق، لكنها لا تمنح دائماً تجربة المريض الاهتمام نفسه، رغم أن الاثنين يرتبطان بصورة مباشرة.
المريض لا يشتري خدمة طبية فقط
عندما يختار شخص مستشفى أو طبيباً، فهو لا يتخذ قراراً عادياً مثل اختيار منتج من متجر. هناك قلق، وأسئلة، وتوقعات، وأحياناً خوف من نتيجة التشخيص أو العلاج.
لذلك، لا تبدأ تجربة المريض عند دخوله المستشفى، بل منذ اللحظة التي يبحث فيها عن طبيب، أو يتصل للاستفسار، أو يحاول حجز موعد.
طريقة الرد على الهاتف، ووضوح المعلومات، وسهولة الحجز، واحترام الوقت، والتعامل أثناء الزيارة، وحتى التواصل بعد انتهائها؛ كلها تفاصيل قد تبدو بسيطة من وجهة نظر المؤسسة، لكنها ليست كذلك بالنسبة للمريض.
وهنا يظهر مفهوم تجربة المريض، الذي لا يقتصر على قياس مدى رضاه عن الطبيب أو الخدمة الطبية، بل يهتم بالصورة الكاملة التي تتكون لديه خلال رحلته مع المؤسسة الصحية.
قد يكون الطبيب ممتازاً، لكن المريض يخرج بانطباع سلبي بسبب سوء التنظيم أو عدم الاهتمام باستفساراته. وفي هذه الحالة، لا يمكن اعتبار التجربة ناجحة لمجرد أن الخدمة الطبية كانت جيدة.
أين يضيع المريض بعد أن تنجح الحملة الإعلانية؟
من خلال النظر إلى العلاقة بين التسويق وتجربة العملاء، أرى أن أحد التحديات المهمة هو الفجوة بين ما تعد به المؤسسة وما يختبره العميل بالفعل.
التسويق يقدم صورة عن المؤسسة، ويخلق توقعات معينة لدى الجمهور. لكن هذه التوقعات تحتاج إلى أن تجد ما يؤكدها على أرض الواقع.
تخيل أن شخصاً تواصل مع مستشفى بعد مشاهدة إعلان عن أحد التخصصات الطبية، وانتظر وقتاً طويلاً للحصول على رد، ثم واجه صعوبة في معرفة تكلفة الخدمة أو حجز الموعد.
قد لا يخبر هذا الشخص أحداً بما حدث، وقد لا يقدم شكوى رسمية، لكنه ببساطة قد يختار مؤسسة أخرى في المرة القادمة.
وهذه نقطة مهمة؛ فليس كل مريض غير راضٍ يشتكي، وليس كل من يغادر دون شكوى قد عاش تجربة جيدة.
لهذا السبب، لا ينبغي أن تنتظر المؤسسات الصحية شكاوى المرضى حتى تكتشف مشكلاتها. عليها أن تبحث أيضاً عن أسباب عدم العودة، وأن تفهم ما الذي لم يكن واضحاً أو مريحاً في رحلة المريض.
هل تكلفة جذب مريض جديد أهم من الاحتفاظ بمريض حالي؟
من الناحية التسويقية، يحتاج استقطاب المرضى الجدد إلى إنفاق مستمر على الإعلان والوصول والتواصل. لكن الاحتفاظ بالمريض وبناء علاقة طويلة الأمد معه يمثلان جانباً لا يقل أهمية.
عندما يفقد المستشفى مريضاً بسبب تجربة غير مرضية، فإنه قد يفقد معه فرصة لاستمرار التعامل، وربما فرصة أن يوصي بخدماته لأشخاص آخرين.
وهنا تتحول تجربة المريض من مسألة تتعلق بالرضا فقط إلى قضية ترتبط بكفاءة الإنفاق التسويقي وقدرة المؤسسة على النمو.
لكن من المهم ألا ننظر إلى عودة المريض باعتبارها هدفاً تجارياً مجرداً؛ ففي الرعاية الصحية، يجب أن تكون العودة مرتبطة باحتياج طبي حقيقي، وباختيار واعٍ من المريض، وليس بمحاولة دفعه إلى استخدام خدمات لا يحتاج إليها.
ويمكن للمؤسسات أن تفهم هذه العلاقة من خلال متابعة مؤشرات مثل معدلات الاحتفاظ بالمرضى، ومستويات الرضا، والتوصية بالمؤسسة للآخرين، ونسبة تحويل الاستفسارات إلى حجوزات، ومعدلات عدم الحضور.
لكن الأرقام وحدها لا تجيب عن كل الأسئلة. الأهم هو معرفة الأسباب التي تقف خلفها.
تجربة المريض ليست مسؤولية موظف الاستقبال
من الأخطاء التي ألاحظ أهميتها عند مناقشة هذا المفهوم، اختزال تجربة المريض في طريقة تعامل موظفي الاستقبال أو فريق خدمة العملاء.
الحقيقة أن المريض يتعامل مع المؤسسة باعتبارها كياناً واحداً، ولا يعرف بالضرورة كيف تتوزع المسؤوليات بين إداراتها.
هو لا يفصل بين التسويق والحجز والتشغيل والفريق الطبي. ما يهمه هو أن يجد تجربة متماسكة، وأن يحصل على المعلومات التي يحتاج إليها، وأن يشعر بأن هناك من يتعامل مع احتياجاته بجدية.
لذلك، فإن تحسين تجربة المريض يتطلب تعاوناً حقيقياً بين الإدارات المختلفة.
التسويق يحتاج إلى معرفة ما يحدث بعد وصول المريض، وإدارة تجربة المريض تحتاج إلى مشاركة ملاحظاتها مع الإدارات المعنية، والإدارات التشغيلية والطبية تحتاج إلى التعامل مع هذه الملاحظات باعتبارها فرصاً للتطوير.
وبدون هذا التعاون، قد تستمر المؤسسة في إنفاق المزيد على التسويق، بينما تظل المشكلات التي تؤثر في تجربة المرضى قائمة.
ما الذي تحتاجه المؤسسات الصحية فعلاً؟
لا أعتقد أن تحسين تجربة المريض يبدأ بالضرورة بمشروعات كبيرة أو أنظمة معقدة. أحياناً يبدأ من أسئلة بسيطة:
هل يحصل المريض على رد واضح عندما يتواصل معنا؟
هل يعرف ما المطلوب منه قبل الزيارة؟
هل نحترم وقته؟
هل نستمع إلى ملاحظاته، أم نكتفي بتسجيل شكواه وإغلاقها؟
وهل نعرف بالفعل لماذا يختار بعض المرضى عدم العودة؟
الإجابة عن هذه الأسئلة قد تكشف عن فرص تطوير أكبر من إطلاق حملة إعلانية جديدة.
وبالتأكيد، يمكن للتكنولوجيا وتحليل البيانات أن يساعدا في فهم سلوك المرضى وتحسين التواصل معهم، لكنهما لن يعوضا غياب الاهتمام الإنساني أو ضعف التنسيق داخل المؤسسة.
من التسويق إلى الثقة
أعتقد أن مستقبل المنافسة في الرعاية الصحية سيشهد اهتماماً أكبر بما يحدث بعد أن يختار المريض المؤسسة، وليس فقط بما يحدث قبل اتخاذ قرار الزيارة.
فالمؤسسة الناجحة ليست بالضرورة صاحبة أكبر حملة إعلانية، بل تلك التي تستطيع أن تجعل وعودها التسويقية متوافقة مع تجربتها الفعلية.
التسويق يستطيع أن يلفت الانتباه، لكن الثقة تحتاج إلى وقت ومواقف متكررة تثبت أن المؤسسة تستحقها.
وربما حان الوقت لأن تتوقف المؤسسات الصحية قليلاً عن سؤال: كيف نجذب المزيد من المرضى؟ وأن تبدأ في سؤال أكثر أهمية: هل نقدم للمرضى الحاليين تجربة تجعلهم يثقون بنا ويختاروننا مرة أخرى عندما يحتاجون إلينا؟
هذا، في رأيي، هو المكان الذي يلتقي فيه التسويق الحقيقي مع تجربة المريض.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
