عن خرافة «شكوى الرجالة الصراحة» و«شكوى الستات اللي مالهاش تفسير»
تداول كثيرون منشورًا ساخرًا لطبيبٍ زميل يقسم المرضى قسمين: رجلٌ «صريح» يشكو من جنبه فتجد حصوة، ومن صدره فتجد جلطة، ومن رأسه فتجد نزيفًا؛ وامرأةٌ يأتي سونارها ورسم قلبها وأشعتها المقطعية طبيعية، فلا يبقى لشكواها تفسير إلا أن «الجن العاشق لبسها». وضحك الناس.
لا أعاتب زميلًا على نكتة؛ فطبيب الاستقبال المرهق يحتاج إلى الضحك كي لا ينكسر. لكن النكتة حين تخرج من فم من يرتدي المعطف الأبيض تتحول إلى قاعدة تشخيصية غير مكتوبة، تُدرَّس في الممرات لا في المدرجات، وتنتقل كالعدوى: بلا أعراض في البداية، وبمضاعفات قاتلة في النهاية.
الأرقام لا تضحك
تتبعت دراسة لجامعة ليدز البريطانية قرابة ستمائة ألف مريض بالأزمة القلبية، فوجدت أن النساء أكثر عرضة بنحو خمسين في المئة للتشخيص الأولي الخاطئ، وأن من أُخطئ تشخيصهم ارتفع خطر وفاتهم خلال ثلاثين يومًا بنحو سبعين في المئة، وكثيرات منهن صُرفن إلى بيوتهن بتشخيص «عسر هضم» أو «شد عضلي». وفي عام ٢٠٢٤ كشفت دراسة في دورية PNAS أن المرأة في أقسام الطوارئ أقل حظًا في الحصول على مسكّن عند كل درجة ألم، وتنتظر نحو نصف ساعة أطول، وأن الانحياز صدر عن الأطباء والطبيبات على السواء. لم يكنّ نساءً «مالهاش تفسير»، بل نساءً لم يبحث لهن أحدٌ عن تفسير.
«طبيعي» ليست كلمةً بريئة
في عيادات السمعيات نعرف مريضًا يقول: «أسمع يا دكتور، لكني لا أفهم الكلام في الزحام»، ويأتي رسم سمعه طبيعيًا تمامًا. كنا قديمًا نكتب «لا يوجد سبب عضوي» ونصرفه، حتى كشف العلم «فقدان السمع الخفي»: تلفًا في المشابك العصبية لا يلتقطه الرسم التقليدي. لم يكن المريض يتوهم؛ كانت أداتنا هي القاصرة.
والقلب يعلّمنا الدرس نفسه؛ فثمة نقص في التروية يحدث مع شرايين غير مسدودة وقسطرة «نظيفة»، والعلة في الأوعية الدقيقة، وهو أشيع في النساء. أما الانتباذ البطاني الرحمي فيستغرق تشخيصه سبع سنوات في المتوسط، تسمع خلالها المرأة أن «ألم الدورة طبيعي، وكل الستات كده». «الطبيعي» ليس حكمًا بالبراءة، بل اعترافٌ بحدود ما قسناه.
من «الرحم الهائم» إلى «الجن العاشق»
كلمة «هستيريا» مشتقة من الإغريقية «هيستيرا» أي الرحم؛ إذ ظن الأقدمون أن رحم المرأة يهيم في جسدها فيسبب أعراضًا بلا تفسير. واليوم تعود الفكرة في ثوب شعبي: بدل الرحم الهائم، الجن العاشق. تغيّر الشكل وبقي الجوهر: حين يعجز الطبيب عن التفسير، يُحمِّل المرأة وزر عجزه. والأخطر أن المريضة التي تخرج بعبارة «ما عندكيش حاجة» لا يتوقف ألمها، بل تذهب إلى حيث يصدقها أحد، وكثيرًا ما يكون مدعيًا لإخراج الجن. نحن لا نضحك من النكتة؛ نحن ندفع المريضات إلى أبواب المشعوذين.
والإنصاف يقتضي القول إن القالب يظلم الرجال أيضًا؛ فمن نشأ على أن «الراجل ما بيشتكيش» يتأخر في طلب العلاج ويخفي اكتئابه. كما أن الأعراض الوظيفية وجسدنة القلق موجودة عند الجنسين، وهي ألمٌ حقيقي يستحق علاجًا لا سخرية. والفرق بين الطبيب والعرّاف أن الأول يقول: «لم أجد السبب بعد»، والثاني يقول: «لا يوجد سبب».
ضوضاء في غرفة الكشف
الطب القائم على الدليل لا يعرف «الستات غالبًا» ولا «الرجالة الصراحة»، بل يعرف أن أعراض الأزمة القلبية عند المرأة قد تأتي إرهاقًا أو ضيقًا في التنفس أو ألمًا في الفك، وأن بعض التحاليل صار يُقرأ بحدود مختلفة لكل جنس. وهذه حقائق مكانها مناهج كليات الطب وبرامج تدريب الطوارئ، ومراجعة كل حالة فاتها التشخيص. وقبل ذلك علينا أن نتذكر أن ثقة المريض في طبيبه رأسُ مالٍ لا يُستعاد بسهولة، وأن نكتة واحدة على الملأ قد تكلّفنا ثقة آلاف المريضات.
في السمعيات نقيس «نسبة الإشارة إلى الضوضاء». والصورة النمطية أعلى ضوضاء في غرفة الكشف، تغطي صوت المريضة فلا يُسمع. والطبيب الجيد لا يحتاج إلى أذن أقوى، بل إلى ضوضاء أقل في رأسه.
الألم لا يحمل بطاقة هوية، ولا يسأل صاحبه عن جنسه قبل أن يسكن صدره أو رأسه. فلماذا نسأل نحن؟
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
