رغبتنا في تقويم ما يعرض علينا من أفكار؛ بغرض قبولها، أو رفضها، يقوم على فلسفة التمييز بين الحجة القوية، والحجة الضعيفة، التي تنبري عليها الفكرة، وهذا يشير إلىالمقدرة على تقييم الحجج، عندئذ نستطيع أن نتخذ القرار السليم تجاه قضية ما، كما نصل بصورة محددة لنقاط القوة والضعف فيها، بل ونتمكن من صياغة مسوغات نصفها بالمنطقية؛ ومن ثم ندرك عمق الوقائع، أو الأحداث المرتبطة بالقضية، أو المشكلة، أو الموقف الذي نحن بصدده.
وتقييم الحجج أو البراهين، يجعلنا بطبيعة الحال قادرين على تحديد ما إذا كانت المعلومات التي بين يدينا كفاية أم لا، وتصنيفها في ضوء ما تحمله من تعضيد للفكرة، بما يمثل قوة حجتها، أو ما إذا كانت ضعيفة في طرح الحجة، ناهيك عن أمر مهم، يتمثل في تمييز مصدر المعلومات، سواءً أكانت تنتسب لمصادر أساسية، أم ثانوية، وهذا في جملته يمكننا من تحديد درجة ارتباطها بالقضية أو الموضوع محل الاهتمام، وهنا نتخذ القرار بشأن انتقائيتها، أو من حيث قبول الفكرة، أو رفضها، مع تعزيز القرار بالمبررات في الحالتين.
نود أن يمتلك الأبناء مهارة تقييم الحجج؛ كي يستطيع أن يصدر الفرد حكمه على موضوع، أو قضية ما، بصورة صحيحة؛ ومن ثم يتمكن من مواجهة التحديات، ورصد المتغيرات، والتعامل معها بتعقل، وتفكر، وتدبر؛ ليصبح قادرًا على التكيف مع كافة الأوضاع، أو الظروف المحيطة به، كما يمكنه أن يوظف ما لديه من خبرات، سواءً أكان بالمعالجة، أم بالربط؛ بغرض تحقيق الاستفادة المنشودة.
أهمية تقييم الحجج تكمن في التفرقة، أو التمييز، بين الحقيقة المجردة، والرأي الذي قد لا يقوم على شاهد، أو دليل، وهنا ننمي التوجه نحو المصداقية، التي تقوم على برهان، وتلك قيمة عظيمة يشعر من يمارسها بالثقة بالنفس، كما لا يتقبل بصورة قاطعة، كافة الأفكار الهدامة، أو ما يصيب البنى المعرفية بتشوهات، جراء شائعات، أو أخبار مفبركة ومكذوبة، أو منقوصة، وهنا نقر بأن تقييم الحجج لبنة رئيسة للتفكير الناقد.
تبني فكرة الدعوة إلى النقد البناء للآراء، والاستماع إليها بموضوعية، يقوم على مهارة تقييم الحجج؛ ومن ثم يستطيع الإنسان منا، أن يفكر خارج الصندوق، وينتج مزيدًا من الأفكار الإيجابية، كما يزداد شغفه نحو بوابة البحث، والولوج لمنحى التحليل، وهذا يجعله قادرًا على المشاركة في عقد مناقشات وحوارات بشكل مستدام، ويطور من خلاله أفكاره، ويعدل من اتجاهاته، بصورة تقوم على منهجية صحيحة، كما أن هذه في مجمله، يؤكد لنا أن حل القضايا المعقدة بات أمرًا ممكنًا.
خوض غمار القضايا العامة، غاية تقييم الحجج؛ فمن يمتلك المهارة يستطيع أن يتعامل مع معطيات تلكم القضايا؛ حيث يحوز الروح الناقدة؛ فيقدم معالجات متفردة؛ تسهم قطعًا في استكشاف الحلول، عبر معالجات للمعلومات والبيانات المعطاة له؛ ومن ثم يمكنه أن يصل لقناعات، تتسم بالمنطقية في كليتها، ولا يشوبها الذاتية، ونتوقع من خلال ممارسة تقييم الحجج، أن نقف على تعميمات نصفها بالصحيحة؛ حيث تتناغم مع ما جاءت به القوانين والقواعد العلمية الرصينة.
وثمت عوامل داعمة لتنمية مهارة تقييم الحجج، يأتي في مقدمتها تجنب التعصب، والانفعال، والتحلي بالهدوء، عند توجيه النقد، وهذا بالطبع يحثنا على البعد عن الأخذ بوجهات النظر المتطرفة، وألا نسارع في اتخاذ قرار؛ ومن ثم نتريث عند انتقاء المعلومات، التي تساعد في الوصول لنتائج، تتوافق مع صحيح المنطق، والتفكير الإيجابي، كما أن البعد عن الانقياد للعواطف، والأهواء الشخصية، من الأهمية بشيء؛ كي لا يضير ذلك ببوابة الابتكار، ناهيك عن حتمية تحري الدقة في ملاحظة الوقائع والأحداث.
كي نرتقي بمهارة تقييم الحجج، لابد أن تتوافر مقومات الفهم العميق، للموضوع، أو القضية المطروحة، وأن يسبق ذلك مناقشة البدائل، أو الفرضيات، مرحلة الدراسة والتفكير، وعندما نواجه ندرة في المعلومات، أو البيانات، التي تساعد في إصدار أو اتخاذ قرار؛ فإن الأمر يتطلب مزيد من محاولات البحث والاستقصاء، كما يمكن الاستفادة من الخبراء والمتخصصين، عند صعوبة الحصول على المعلومات، أو البيانات، التي يتوقف عليها مرحلة التحليل والنقد.
ونذكر بأن هناك معززات، تعمل على تعضيد مهارة تقييم الحجج لدى الفرد، منها امتلاكه المقدرة علىاستخلاص النتائج بطريقة منطقية سليمة، وهذا يجعلنا حريصين على ألا نتبنى وجهة نظر معينة للمواضيع والقضايا؛ فالأهم أن نقوم بالتقييم الموضوعي للقضايا التي نتناولها.. ودي ومحبتي لوطني وللجميع.
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بنين بالقاهرة _ جامعة الأزهر