الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

مأمون الشناوي يكتب .. البوسطجي !!

بيني وبين الرسائل الورقية عشق قديم ، أتلقاها وأكتبها !!.
كنت عندما أمسك بقلمي ، وأضمه بين أصابعي ، كأنني موسيقي يحتضن عوده بين حنايا قلبه ، أملي عليه مكنون مشاعري ، وأبثه شكواي ولوعتي ، وكثيراً ما كانت تسيل دموعي علي الورق ، فتصطبغ الكلمات والحروف بالأزرق الشجي ، أو الأسود الحزين ، أو الأحمر الدامي !!.
وكان ( للبوسطجي ) في قريتنا شنة ورنة ، فعندما يتجول في طرقات القرية المخنوقة ، تطل الرؤوس وتشرأب الأعناق من خلف زجاج النوافذ منادية : ( مفيش حاجة ياعم السيد ) ، وعم السيد البوسطجي المنتفخ الأوداج لا يرد ، فلا وقت عنده للرد علي مئات الأمهات اللاتي ينتطرن رسالة من ولدهن الجندي الرابض علي جبهة القتال !!.
فإذا ما وصلت رسالة منه ، تجمعت نسوة الحيّ والأهل والأقارب ، ثم يستدعون مَن يقرأها – وكنت كثيراً ما أحظي بهذا الشرف – فأتلو الرسالة ، ولا أكتفي بما فيها ، وإنما أضيف من عندياتي ما يطمئن قلب الأم الملتاعة ، والأخوات والأب الشغوف !!.
ومن بين الدموع المتدفقة من المآقي ، أسمع صدي صوت الأم تقول : ( وحشتني أوي ياواد ياسعد ) ، وأنا أقرأ عليها أن ( سعد ) سوف ينزل قريباً وتراه ، وأنه بخير ، ويستعد وزملاؤه ليوم الثأر !!.
وكان ( عم السيد البوسطجي ) وقتئذ يقنع بشرش ثوم أو ربطة بصل ، لقاء توصيله الرسائل !!.
ثم جاء الانفتاح ، والسفر إلي دول النفط ، وصارت الرسائل مغموسة بشيكات دولارية وريالية ، وعرفت نسوتنا سكة البنوك وتغيير العملة والسوق السوداء ، ولم يعد ( عم السيد البوسطي ) يرضي بأقل من عشرة جنيهات كاملة ثمن توصيل الرسالة ، وقطعة قماش صوف وأروصة سجائر أجنبية ، هدية من المحروس عند عودته !!.
نعم ، كم أشتاق إلي كتابة تلك الرسائل الورقية اليوم ، فقد كانت للحروف روح ، والكلمات تدب فيها الحياة ، وعندما أفض ما أحتفظ به منها في أدراجي ، أعود إلي الوراء عشرات السنين ، وأشم في سطورها عبق الزمن الجميل وعطر الأحبة ، والأنفاس الصادقة ، وبقايا قطرات دموع لم تجف بعد ، بعدما تبدلت الرسائل ، فأصبحت اليوم جافة يابسة قاسية ، حروف الكترونية لا روح فيها ، وتعبيرات معلبة جاهزة لا مصداقية لها !!.
نعم ، أشتاق إلي رسالة ورقية ، أكتبها وتكتبني ، أو أتلقاها وتتلقاني ، فهل من مُجيب ، أم أنني دقة قديمة !!.

شاهد أيضاً

د. عادل عامر يكتب.. كيف أرى العلاقة بين منتدى مصر 2026 والحوار الوطني؟

نحو تكامل بين الحوار المجتمعي وصناعة القرار وتحقيق التنمية لم تعد إدارة القضايا الوطنية في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *