جون إسبوزيتو هو أبرز علماء الدراسات الإسلامية في الجامعات الأمريكية وفي العالم، ظل مدافعا شجاعا عن الإسلام والمسلمين لما يقرب من نصف قرن في مواجهة حملات التشويه الممنهجة إلى أن توفي يوم 15 يوليو الجاري عن 85 عاما، وهو صاحب الدور الرائد في إرساء الأسس الفكرية لفهم أعمق للإسلام في الغرب، وتأسيس مبادرة الجسر لمكافحة الإسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) وحماية التعددية والحوار بين الأديان، وقد تولى رئاسة مركز التفاهم الإسلامي ـ المسيحي في جامعة جورج تاون، ورئاسة جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية، ورئاسة الأكاديمية الأمريكية للأديان.
ولد إسبوزيتو بنيويورك في مايو 1940 لأسرة كاثوليكية ذات جذور إيطالية، درس الفلسفة وتعمق في العلوم اللاهوتية المسيحية، ثم حصل على الدكتوراة في الدراسات الإسلامية من جامعة تمبل الأمريكية عام 1974 بإشراف أستاذه الدكتور إسماعيل الفاروقي (الفلسطيني الأصل)، وفي خضم أحداث 11 سبتمير 2001 كان واحدا من الكتاب الأمريكيين القلائل الذين واجهوا الحملة الشرسة ضد الإسلام والمسلمين، ومنذ ذلك الوقت صار شخصية مؤثرة في الدراسات الإسلامية المعاصرة، وأسهمت جهوده في تفكيك ظاهرة الإسلاموفوبيا وتصحيح الصورة النمطية المشوهة عن الإسلام والمسلمين وترشيد الحوار بين الأديان وبناء شبكة دولية من الباحثين المسلمين وغير المسلمين في إنتاج مجموعة من الأعمال المرجعية عن الإسلام في الجامعات الغربية، رغم ما تعرض له من هجوم من اليمين الأمريكي المتطرف والمؤسسات الإسرائيلية التي اتهمته بمعاداة السامية والدفاع عما يسمونه (الإرهاب الإسلامي).
وقد تميز إسبوزيتو عن غيره من الباحثين باعتماده على الأصول العلمية الإسلامية في دراساته وأبحاثه، فلم يكتف بما هو متاح من ترجمات ودراسات غالبا ما تكون منحازة وغير دقيقة، وقام بزيارات للعديد من دول العالم الإسلامي مثل ماليزيا وتركيا وباكستان، وزار مصر عام 2007، وأجرى فيها حوارات مع علماء أزهريين ومفكرين، وألقى محاضرة قيمة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
وتميزت كتاباته بالموضوعية المنصفة والرصانة العلمية واللغة السهلة، ما جعلها محل ثقة واحترام كبيرين، وأعطاها مصداقية عظيمة، ويسر مهمة صاحبها في تكوين صورة متوازنة عن الإسلام لدى جمهور واسع من القراء والطلاب وصناع القرار في الغرب.
ومن أشهر مؤلفات إسبوزيتو كتابه (الحرب غير المقدسة: الإرهاب باسم الإسلام)، الذي أصدره عام 2002 أثناء موجة الكراهية العنيفة ضد الإسلام المسلمين عقب أحداث سبتمبر 2001، ثم توالت طبعاته بعد ذلك بلغات عديدة، وحاول فيه أن ينصف الإسلام ويبرئ ساحته، ويكشف بالوثائق والحقائق ما يتعرض له الإسلام من تشويه وسوء فهم متعمد من بعض الدول والمؤسسات، ولهذا جاء الكتاب سباحة عكس التيار الجارف الذي اجتاح الشارع الأمريكي ومؤسسات الحكم في واشنطن إزاء قضية الإرهاب والإسلام.
أما كتابه الأول فكان (الإسلام: الطريق المستقيم) الصادر عام 1988، وقد ترجم إلى عدد من اللغات، واعتمد كتابا جامعيا في مئات المقررات الدراسية لما يتميز به من عرض متوازن لنشأة الإسلام وعقائده وعباداته وتاريخه وتطوراته المعاصرة، مع الحرص على تصحيح الصورة النمطية السائدة في الغرب.
ومن كتبه المتميزة أيضا كتابه (ما يحتاج الجميع إلى معرفته عن الإسلام) الصادر عام 2002، ثم تكررت طباعته مع التنقيح والتوسيع، وقد كتب بطريقة السؤال والجواب، ليجيب عن أهم الأسئلة المتداولة عن الإسلام وأكثرها حساسية، فجمع بين الدقة العلمية وسهولة العرض، وصار من أكثر الكتب رواجا في التعريف بالإسلام لدى القارئ العام.
ولم تقتصر إسهامات إسبوزيتو على هذه الكتب التعريفية وأمثالها، وإنما اتسعت لتشمل إصدار عدد من الأعمال ذات البعد الدولي الواسع من خلال دار نشر جامعة أكسفورد، ومنها موسوعة أكسفورد عن الإسلام الحديث التي تولى رئاسة تحريرها، و كتاب أكسفورد عن تاريخ الإسلام، وموسوعة أكسفورد عن العالم الإسلامي الحديث، ومعجم أكسفورد عن الإسلام وغيرها.
ومع صرامته العلمية، وحرصه على أعلى المعايير الأكاديمية، اشتهر إسبوزيتو بالتواضع الجم، ولطف معشره، وحديثه الماتع الذي يأسر مستمعيه بصدق عاطفته، وكتب كثيرون ممن عايشوه عن إنسانيته وروحه الشفافة، ووفائه لأستاذه الفلسطيني (الفاروقي)، الذي تعلم منه ـ ضمن ما تعلم ـ تعزيز لغته الإنجليزية في حديثه الأكاديمي والشخصي بالألفاظ العربية الإسلامية تعبيرا عن اعتزازه بالإسلام وبلغته الفصحى.










