وقائع كثيرة ساخنة ومثيرة تطل على الساحة..تلح على الذهن لاستدعاء ذكرى واحد من العلماء الشوامخ الذين لم ينالوا حظهم رغم دورهم الكبير والرائع في الإصلاح الاجتماعي والقيام بواجب الخطاب الديني كما ينبغي..انه فضيلة الشيخ محمود أبو العيون احد أبرز علماء الأزهر الذين اشتهروا بمواقفهم الوطنية فقد كان احد ابطال ثورة 1919 واشتهر أيضا بكتاباته وجهوده في محاربة التهتك والبغاء الذي كان شائعا مباحا بفضل لائحة سنة 1896 في عهد اللورد كرومر وكان أبو العيون يراها سبة شنعاء وفضيحة يندي لها الجبين ولم يهدا حتى نجح في اصدار قوانين صارمة تحرمه وتجرم من يدعون اليه او يدافعون عنه باي وسيلة..
كلما اشاهد واستمع الى الفيديوهات إياها الغريبة والعجيبة وسعي بعض الأصوات النسوية لاختراق وزلزلة اركان المجتمعات بدعواتهم الإباحية وتسهيل جرائم الزنا تحت مسميات خادعة والعبث باركان الزواج والطرق الصحيحة اليه وعمليات التسلل الى عتبات مؤسسات اصدار القوانين بطرق خبيثة أتذكر معارك الشيخ أبو العيون التي قادها على مدى ثلاثة عقود أيام الاحتلال الإنجليزي وثورة 1919 وكيف واجه الحكومات المختلفة والمدافعين عن البغاء وبيوت الدعارة والمافيا التي كانت تتربح من وراء الفواحش ما ظهر منها وما بطن..لم يكن الشيخ أبو العيون يتوقف عند خطب منبرية او مقالات في الصحف خاصة الاهرام تحت عنوان لافت ” يا ضيعة الاخلاق في عهد الحرية”..فقام بجولات في أحياء البغاء ونزل الى المناطق الموبؤءة يرصد ويحلل وأحصاء الضحايا وأصحاب المنفعة في إدارة تلك البؤر..واستكتب الأطباء ليتحدثوا عن مآسي البغاء وأمراضه واستضاف الاجتماعيين ليعالجوا الوضع بعد الإلغاء.
وكان يقدم صورا واقعية يواجه بها المسئولين في الحكومة ومجلس الامة وكان يلتقي بوزير الداخلية والمحافظين ورؤساء المحليات ورئيس الوزراء أيضا لاستئصال المنكر والحفاظ على الاخلاق والفضيلة..وله مساجلات مشهورة ضد المراوغات من جانب بعض المسئولين واعوان الفساد ونجح في الانتصار عليهم..ونذكر في هذا الصدد ما حدث مع رئيس الوزراء إذ ذاك عدلي يكن باشا حين قال:«الدعارة نظمت لأمرين:
مراقبة المريضات بالكشف وعزلهن عن الاختلاط وحصر دائرة الفسق في نطاق خاص».
فرد عليه أبو العيون:«وقد ظهر بالاستقصاء أن الكشف لم يؤد إلى نتيجة مرغوبة بل بالعكس كان ناشرا للأمراض السرية وكذلك لم يحصر الفسق في دائرة فإن الدوائر الرسمية في العاصمة مثلا هي:عرب المحمدي والوسعة وسيدي زينهم وهناك دوائر يضيق عنها الحصر كالذهبيات والعوامات والأكشاك على شواطئ النيل والجارسنيرات، والبانسيونات ومحال التدليك والخياطة والبيوت السرية «الجهرية»وهي ذائعة في كل شارع ومضيق»..وامام هذا لم يسع رئيس الوزراء إلا أن وافق على طلب أبو العيون.
واصدر فضيلته كتابين في هذا الصدد:«صفحة ذهبية» رسالة في إلغاء البغاء و«مذابح الأعراض» والكتاب حافل بكل ما يسيء ويخجل من فضائح البغاء مشفوعًا بالإحصائيات الدقيقة والأرقام الكاشفة ونال الكتابان شهرة واسعة..
واعتبر العلماء ما قام به الشيخ ابوالعيون في محاربة البغاء جهادا لا يقل عن جهاده الثوري حين تعرض إلى الرصاص من مظاهرات الحرية فشمر العزم لاستئصاله بتعبير العالم الجليل الدكتور محمد رجب البيومي رحمه الله..
من المفارقات التي ذكرها المؤرخون أن أبا العيون كان يتصور في بادئ الأمر أن دعوته لمواجهة الفواحش وأهلها لن تجد معارضًا على اعتبار أنها دعوة الحق والإنسانية والكرامة لكنه فوجئ بأكثر الجرائد اليومية والمجلات الأسبوعيةتشن عليه حملة ظالمة تتهمه بالادعاء والنفاق وحب الظهور بل توقحت بعض المجلات الساقطة فرسمت لأبي العيون صورًا كاريكاتورية مع بعض البغايا في مواقف خليعة دون أن يعصمها خلق أو حياء.
الاحاديث الكثيرة عن الشواطئ إياها وما يجري هناك تذكر أيضا بواحدة من أشهر معارك الشيخ أبو العيون خاضها حين كان شيخا لعلماء الإسكندرية وكانت له دعوة إلى تنظيم الشواطئ ومنع التبرج السافر والاختلاط الفاضح وتعرض لهجوم كبير واتهموه كذبا بانه يدعو إلى إلغاء المصايف المصرية خدمة للمصايف الأوروبية وفق اتفاق سري عقده الشيخ مع دعاة الانحلال..وقاد حملة للاحتشام ومقاومة العري والابتذال وكان على اتصال دائم بمحافظ الإسكندرية ورؤساء الاحياء بها والذين استجابوا لدعوته بالفعل ومنعوا كل ما يسئ الى الفضيلة والذوق العام على الشواطئ..
ولخص دعوته في اقتراحات موجزة رفعها إلى المسئولين منها:تخصيص حمامات للسيدات مجانا في المناطق القريبة كالشاطبي والإبراهيمية وجليم.أو تخصيص زمن للسيدات صباحا كما هو متبع في بعض المصايف الأخرى مع وضع رقابة على الحمامات لوقايتها من عبث الشبان بواسطة البوليس فتوجد فرص للأسر الحريصة على صيانة كرامتها.وإيجاد نقطة بوليس دائمة في البلاجات الثغر يكفي في كل بلاج كونستابل وجنديان لمعاونته.وتعديل لائحة الآداب الخاصة بالشواطئ لمنع أي منظر مخالف للآداب العامة في الماء أو على الشاطئ ويترك هذا لتقدير رجل البوليس الذي يختار من ذوي السيرة الشريفة والسمعة الحسنة.وينص في اللائحة على أن يخول للبوليس سلطة إزالة أي كابينة استحمام تحدث فيها مخالفة للآداب عقب إنذار يوجه إلى ساكن الكابينة وتكون الإزالة على نفقة صاحبها.وتقفل الشواطئ جميعها وتخلي من ساكنيها وقت الغروب مباشرة.ويؤلف بوليس نسائي لحماية هذه المقترحات مع التعاون بين بوليسي آداب المدينة والبلدية..
&&من اقوال شيخنا المسجلة في مقالاته:
« لقد كانت النفوس قبل هذا العهد بعيدة عن الأغراض والأهواء وكانت أحكام الدين والأخلاق تدرك وتحترم ولكن القحط الخلقي أصاب اليوم جماعة الشباب فأوهى فيهم الروابط الاجتماعية ومكن للرذيلة من نفوسهم فانغمسوا في حمأتها وأصبح الكثير منهم يحذق الملق والكذب والنفاق، ويألف الذلة والهوان وأصبحت الكفاءات والأهواء بمقدار ما يبذله الشاب لرئيسه من التخضع والمداهنة والرشوة حتى صرت لا تجد من الشباب المتعلم ـ إلا قليلا ـ مَنْ لا تنازعه نفسه إلى فجور ولا تفتح له عين لريبة فلا يلحقه في ذلك ذم ولا تناله وصمة».
بقي ان نعرف ان شيخنا ولد بنزلة أبو العيون بدشلوط بأسيوط منح شهادة العالمية العام 1908م وعين مدرساً ثم مفتشاً فشيخاً لمعهد أسيوط فمعهد الزقازيق فمعهد الإسكندرية ثم سكرتيراً عاماً للأزهر والمعاهد الدينية إلى أن توفي في 1951م.
والله المستعان..
megahedkh@hotmail.com









