صار معلومًا للجميع على كوكب الأرض أن السوشيال ميديا قد تحولت إلى فضاء هائل لتحريك الاتجهات والتوجهات، تتشكل داخله الأفكار، وتتبدل القناعات، بل وقد تتأثر به المجتمعات والدول في أمنها واستقرارها واقتصادها وثقافتها. ومن هنا، فإن التعامل مع الاستخدامات السلبية لهذه المنصات لا يمكن أن يظل أسير الحلول التقليدية، ولا أن يتوقف عند حدود المنع أو العقاب، وإنما يحتاج إلى تفكير خارج الصندوق، يضع القانون والتوعية في مسارين متوازيين، بحيث يحمي المجتمع دون أن يغلق أبواب التطور، ويواجه الإساءة دون أن يصادر حرية التعبير. لقد أثبتت تجارب العالم إمكانية وجود السوشيال ميديا كأداة للبناء كما أثبتت بوضوح أنها وسيلة مباشرة وغير مباشرة للهدم، فنجد مثلا أن هذه الوسائل بإمكانها أن تفتح أبوابًا واسعة أمام التسويق وريادة الأعمال والإبداع والمعرفة والتعليم، كما أنها أتاحت الوصول إلى المواطنين بسرعة من قبل لمؤسسات، لكنها رغم كل ذلك وفي الوقت نفسه، تحولت إلى بيئة خصبة جدًا لخطاب الكراهية والتحريض والابتزاز الإلكتروني، والشائعات والتنمر، والتلاعب بالمعلومات، والسرقة، والتحريض، بل إن الأمر لم يقتصر على كل تلك المساوئ، بل تجاوزها إلى المخاطر الناتجة عن الإدمان الرقمي، وتأثير المحتوى الخوارزمي في الأطفال والشباب.
وفقًا لهذه الصورة المتضاربة، اتجه عدد من دول العالم، إلى البحث عن صيغة جديدة تضبط مؤشر العلاقة بين المجتمعات والمنصات الرقمية، ففي الاتحاد الأوروبي ـ على سبيل المثال ـ جاء قانون الخدمات الرقمية ليضع مسؤوليات أكبر على المنصات، ويعزز الشفافية، ويمنح المستخدمين آليات للطعن في قرارات حذف المحتوى أو تعليق الحسابات، مع إلزام المنصات الكبرى بالتعامل مع المخاطر النظامية التي قد تنتج عن خدماتها. أما في بريطانيا، فقد اتجهت السياسة التشريعية إلى تحميل المنصات مسؤوليات أوسع تجاه المحتوى غير القانوني وحماية المستخدمين، خصوصًا الفئات الأكثر عرضة للضرر، وفي فرنسا، اتجه المشرّع حديثًا إلى تشديد حماية القُصّر من مخاطر منصات التواصل، في خطوة تعكس تصاعد القلق العالمي من التأثيرات النفسية والاجتماعية للاستخدام غير المنضبط، وعلى الجانب الآخر من الكوكب في آسيا، نجد دولة مثل سنغافورة تقدم نموذجًا مختلفًا، حيث استُخدمت تشريعات مثل قانون الحماية من الأكاذيب والتلاعب عبر الإنترنت، الذي يتيح إصدار توجيهات للتصحيح أو وقف التواصل في حالات محددة، مع وجود آليات قانونية للاعتراض، كما عززت في 2026 منظومة حماية ضحايا الأضرار الإلكترونية من خلال مفوضية متخصصة للسلامة على الإنترنت. ورغم ذلك، فإن التجربة العالمية تقول لنا بوضوح إن القانون وحده لا يكفي. فمهما بلغت صرامة التشريعات، سيظل هناك مستخدم قادر على إنتاج محتوى جديد، وحسابات تتغير، ومنصات تتطور، وخوارزميات تعيد تشكيل المشهد كل لحظة. ولذلك فإن المواجهة الحقيقية تبدأ من بناء إنسان يمتلك القدرة على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين النقد والتشهير، وبين حرية التعبير والفوضى.
من هنا يأتي التفكير خارج الصندوق، ولنتساءل أولًا: لماذا لا تتحول التربية الرقمية إلى جزء أصيل من المناهج التعليمية، يتعلم خلالها الطالب كيف يتحقق من الأخبار، ويفهم طبيعة الخوارزميات، ويحمي بياناته، ويتعامل مع التنمر والابتزاز، ويدرك أن إعادة نشر معلومة كاذبة قد تكون أحيانًا أكثر خطورة من اختلاقها؟ ولماذا لا تمتد هذه التوعية إلى الجامعات ومراكز الشباب والمؤسسات الثقافية والإعلامية، بحيث تصبح الثقافة الرقمية مشروعًا مجتمعيًا لا حملة موسمية؟ وإذا كانت هناك منصات وطنية مستقلة للتحقق السريع من المعلومات المتداولة، لابد أن تُدعم بكل الصور الممكنة التي تتيح لها الجذب والثقة والانتشار، عبر لغة بسيطة وسريعة، وأن تضمن الوصول إلى المواطن قبل أن تصل الشائعة إلى ملايين الهواتف؟ كما لابد من إطلاق حملات توعية تعتمد على المؤثرين وصناع المحتوى أنفسهم، الذين يعدون أصحاب مبادرات ويحظون بإقبال على محتوياتهم الهادفة، باعتبارهم شركاء في الحل، بدل الاكتفاء بالرسائل التقليدية التي قد لا تصل إلى الفئات الأكثر استخدامًا للمنصات؟ بحيث يشرحون كل ما يخص وسائل التواصل ويطرحون أفكارًا خلاقة ويتفاعلون مع المتابعين.
أما الجانب التشريعي، توازيًا مع مسارات وآليات التوعية، فنحن بحاجة إلى قوانين ذكية لا غاضبة، قوانين تفرق بين الخطأ المتعمد والخطأ غير المقصود، وبين النقد المشروع والجريمة، وبين الرأي والمعلومة الكاذبة، وتضع عقوبات متدرجة تتناسب مع حجم الضرر، مع ضمانات واضحة لحرية التعبير وحق الدفاع. كما ينبغي إلزام المنصات بسرعة الاستجابة للبلاغات المتعلقة بالابتزاز والتنمر والتحريض والعنف، ووضع قواعد أكثر صرامة لحماية الأطفال، وإجبار المنصات على قدر أكبر من الشفافية بشأن آليات التوصية بالمحتوى والإعلانات الموجهة، مع إمكانية إنشاء مرصد وطني للأمان الرقمي يضم خبراء في القانون والإعلام والتكنولوجيا وعلم الاجتماع وعلم النفس، مهمته رصد الظواهر الجديدة قبل تحولها إلى أزمات، وإصدار تقارير دورية، واقتراح تشريعات مرنة تواكب سرعة التطور التكنولوجي.










