تتمثل السياسات القومية للحوار بين طرفي العملية الإنتاجية (العمال وأصحاب العمل) في رسم أطر التشاور الفعّال، وخلق بيئة عمل متوازنة، والمشاركة في إعداد قوانين العمل، وحل المنازعات الجماعية. وتتولى مجالس الحوار الاجتماعي هذه المهام عبر آليات مؤسسية محددة
يُعد الحوار الاجتماعي أداة حضارية بين أطراف الإنتاج الثلاثة لتعزيز الاستقرار في سوق العمل، وقد أولته الحكومة الرشيدة اهتمامًا كبيرًا بوصفه نهجًا فاعلًا لحل النزاعات، انعكس على التشريعات الحديثة وأسهم في ترسيخ بيئة عمل مستقرة وثقافة تشاركية قائمة على التفاهم والحوار.
أن الحوار الاجتماعي على مستوى القمة يمكن أن يساهم في توفير العمل اللائق، وتوزيع دخل العمل بشكل أكثر عدالة، والتحولات الرقمية والخضراء العادلة. كما يؤكد التقرير أن احترام القانون والممارسة لحرية تكوين الجمعيات والاعتراف الفعال بالحق في المفاوضة الجماعية أمر ضروري. لكن قدرة الحوار الاجتماعي على مستوى القمة على تشكيل التغيير تضعف عندما تكون السياسات الاجتماعية والاقتصادية مدفوعة باعتبارات قصيرة الأجل وتستبعد شرائح مهمة من المجتمع.
في إدارة العمل في العالم ظهر في القرن العشرين ما يسمى بالحوار الاجتماعي، وهو شكل أساسي وقاعدة مهمة تنص عليها تشريعات العمل الوطنية في معظم الدول، قياساً على ما نصت عليه المواثيق الدولية للعمل بشأن إلزامية تنظيم الحوار الاجتماعي لأطراف الإنتاج الثلاثة: الحكومة، وأصحاب الأعمال، والعمال. وأصبح الحوار الاجتماعي حقاً من الحقوق العمالية، مثله مثل حرية التنظيم النقابي وحرية الإضراب وغيرها من الحقوق العمالية، ونجد أن الحوار الاجتماعي في مجال علاقات العمل ظهر حلاً مهماً وجوهرياً لكل المشاكل التي قد تؤدي إلى المظاهرات العمالية أو الإضرابات، باعتباره مرحلة مهمة يتحاور فيها أصحاب الشأن، لعلهم يجدون الحلول المناسبة قبل تفاقم المشكلة والدخول في الإضرابات التي غالبا ما يكون لها جوانب سلبية على سير دولاب العمل والإنتاج.
وقد نظمت العديد من الدول عملية الحوار الاجتماعي في العمل حيث أنشأت له مجالس يلتقي فيها: شركاء الإنتاج من أصحاب الأعمال، والعمال بتنظيماتهم المختلفة، والحكومة باعتبارها المسئولة عن إدارة العمل داخل المجتمع. كما نصت بعض التشريعات على أن يكون الحوار سنوياً، وأخرى نصت أن يكون نصف أو ربع سنوي، والبعض الآخر ينظم الحوار عند الحاجة إليه، وفي بعض الدول تنشأ أمانة سر خاصة بالإشراف على تنظيم جلسات الحوار،
ويكون لها مقر دائم يتم من خلاله جلسات الحوار، التي غالبا ما تكون من الوزارة المختصة بشأن العمال واتحاد نقابات العمال واتحادات أصحاب الأعمال. في هذه اللحظة التاريخية التي تواكب حدوث الطفرة التنموية – تمييزا لها عن التغير الاجتماعي والاقتصادي التراكمي الرتيب عبر الزمن – فإن المجتمعات المختلفة تبدأ في طرح العديد من التساؤلات على نفسها عن طبيعة الفجوة المدركة وأسبابها… لماذا هذه الفجوة؟.. لماذا نحن في هذا الوضع؟ وكيف يمكن تجاوزه؟، هل السبب هو خصائص ونواقص جينية حتمية؟، أم أسباب عارضة طارئة يمكن تجاوزها؟، ويتم في هذه الحالة عادة استدعاء التاريخ، لمحاولة تقديم إجابة شافية على هذه التساؤلات، وقد تظهر أعراض “نوستالجيا” الماضي بتجلياتها المختلفة، وقد يطرح أصحاب الأيديولوجيات المختلفة اجتهاداتهم المتضادة بتحيزاتها أو محدوديتها التي تركز فقط على بعد واحد، وتكمن المشكلة في كثير من المجتمعات النامية في أن الكتلة الحية من مثقفيها ومفكريها ونخبتها الثقافية والسياسية – تحجم في كثير من الأحيان عن بذل الطاقة والجهد الإبداعي في طرح هذه الأسئلة الجوهرية حيث يظل اللجوء أو الاقتداء بأفكار وأنماط ونماذج وقوالب جاهزة هو البديل الأسهل بدلا من مشقة وعناء الاجتهاد.
ومن جهة أخرى فإن الحيوية التنموية للمجتمعات المختلفة كما تظهرها دراسة تاريخ التنمية على مستوى العالم، تتبدى في طرفي النقيض بين “السكون” التنموي لمجتمعات النقل والاقتداء – والحيوية التنموية المتدفقة لمجتمعات أخرى. إن الفارق بين هذه المجتمعات وتلك، يكمن ببساطة في قدرة العقل الجمعي والنخب على طرح الأسئلة المناسبة في مواقف الحاجة والتوقيت المناسب لاختيار بديل أو مسار من بين عدة بدائل أو خيارات مطروحة.. وهو ما يشكل خطوة أولية ضرورية وأساسية للإدارة الفعالة “للتغيير” من أجل المستقبل سواء في الانتقال الجرئ والتجريب لأوضاع جديدة، أو في تشغيل آليات التصحيح والتقويم للأوضاع الراهنة. كما أن عملية التحول الاجتماعي الاقتصادي التي تشهدها معظم المجتمعات والتي تحدد اتجاه حركتها الأولى منذ سبعينيات القرن العشرين في اتجاه اقتصاد السوق وتداعياته الاجتماعية المرتبطة به – لم تؤت ثمارها المتوقعة، وأن ما يواكبها من إصلاح سياسي واجتماعي يتباطأ بشدة عن الإصلاح الاقتصادي ويعوق حركته.
ويعتبر واحدا من أهم الأسباب الرئيسية لهذا الإخفاق النسبي أن حركة الأطراف الأساسية للمجتمع ومكوناته المختلفة “منعزلة” عن بعضها، ومن ثم فإن هذا “الانعزال” يؤدي إلى إهدار المدخلات والطاقات الموظفة – أو المفروض توظيفها – في عملية التنمية والتحديث، باعتبار أن حركة “الأجزاء والمكونات” غير منضبطة أو متسقة أو متناغمة.
ولقد أصبحت مسألة أو “قضية” انعزال أو عدم توافق الأطراف والمكونات والعناصر الاجتماعية المختلفة تفرض نفسها بقوة في السنوات الأخيرة، نتيجة للعديد من الأسباب قد يكون أكثرها تجليا – وإن لم يكن أكثرها أهمية – هو تعرض الفكر المحلي لتيارات خارجية كاشفة معنية بالحوار والمشاركة المجتمعية أمكنت من رؤية الذات والواقع المحلي بشكل أكثر وضوحا.
وتتزايد القناعات بأن “الانفصال” أو “الانعزال” أو “التقوقع” قد بدأ يتخذ أشكالا كثيرة على عدة مستويات اجتماعية مختلفة، بدءا من مؤسسة الأسرة وحتى النخب السياسية على المستوى القومي، وأن هذا الانعزال والانفصال يتبدى ويتجلى في انكماش مساحة الحوار والتفاعل بين الأطراف الاجتماعية المختلفة.. ثم كنتيجة طبيعية لذلك، انكماش أنشطة وفعاليات جماعية إيجابية لتحقيق أهداف مجتمعية مشتركة.
كما أن كثيرا من المؤشرات تدل على وجود أزمة حوار بين الأطراف والقوى الاجتماعية المختلفة. ومن ثم، فمن الطبيعي انكماش إمكانية مشاركة هذه الأطراف والقوى المختلفة مع بعضها في إدارة عمليات تنموية بناءة لتحقيق أهداف مجتمعية مشتركة
كما أن مجرد وجود الهياكل والمؤسسات الصناعية والسياسية والتعليمية وخلافه ليس كافيا في حد ذاته لإقامة مجتمع ديمقراطي ولتحقيق ممارسة ديموقراطية صحيحة وفعالة، تتحقق من خلالها حركة إيجابية المجتمع ككل نحو تحقيق أهدافه العليا وتطلعاته المستقبلية.
ذلك أن الفجوة بين الهياكل والمؤسسات القائمة، وبين مستويات الممارسة الديمقراطية المرغوبة، ترتبط إلى حد كبير بغياب أو انكماش مساحة الحوار بين الأطراف المختلفة، وقبل ذلك انكماش مساحة الحوار داخل البنيات المؤسسية لهذه الأطراف ذاتها.
وهذه المشكلة أو الأزمة يعبر عنها البعض ببساطة بأنه “لا ديموقراطية بدون ديمقراطيين” قادرين كأفراد وجماعات ومؤسسات على المشاركة المفتوحة المرنة في عملية حوار وتفاوض مستمر – داخليا ثم خارجيا – مع أطراف أخرى، وبما يثري ويعمق ويرشد الآلية القومية لصناعة الاستراتيجيات والسياسات والقرارات، ويرفع من كفاءتها وفعاليتها لصالح المجتمع ككل، وترتبط هذه الأزمة دون أدنى شك بالثقافة الجمعية السائدة والكامنة، والحاكمة لسلوك وممارسات الأطراف الاجتماعية المشاركة، أكثر من ارتباطها بقوانين وتشريعات قد يعتبرها الكثيرون مقيدة للممارسة الحوار مفهوم قديم يعود به المختصون إلى ما قبل عصر الفلاسفة اليونانيين القدامى الذين اعتمدوا على الحوار، وأضفوا أنماطا وآليات جديدة له. وفي الأديان خبرات حوارية مهمة، وفي الكتب المقدسة تسجيلا لقصص وحوارات، كل ذلك يؤكد على أهمية الحوار، ودوره في المجتمع.
كما أن الحوار ضرورة وغاية في ذاته تحاشيا لصور متباينة من العنف سواء كان عنفا ماديا أو لفظيا تمارسه ماكينة بعض الدول ذاتها في مواجهة رعاياها، أو الجماعات المتنوعة ضد بعضها البعض، أو الثقافات ضد بعضها البعض، بالإضافة للصور التقليدية للعنف المتعارف عليها في النزاعات بين الدول، والتي يحكم آلياتها التطور العلمي والتكنولوجي.
وهنا يأتي الحوار ليعطي للاختلاف بعداً إنسانياً يضعه في شكله الطبيعي، ولا يسمح له بالتحول إلى طاقة تدميرية، بل أن الحوار يخفض من مستوى سلبيات الاختلاف، ويرفع من مستوى إيجابياته: ليكون الاختلاف في هذا الإطار رحمة وخيرا، ودافعا للإصلاح والمراجعة المستمرة وهذا البعد يمنح الحوار مضمونا مصيريا وموقعا مهما في استمرار الحياة بطعمها المستقر، وإبقاء الجنس البشري بمستوى ما حباه الله من عقل وقدرة على التفكير والاختيار.
إن الحوار أداة للكشف عن الحقائق والأشياء الخفية، ومن خلاله تتم الإجابة عن كثير من علامات الاستفهام والإشكالات العالقة في الذهن، أو تزيد من القناعات الذاتية، كما يمكن من خلاله كشف الباطل ودحض وكشف مؤثرات بطلانه ودلائله. وبشكل مجمل فإن الحوار ينضج الأفكار والقرارات، ففي الجانب الفكري والثقافي – مثلا ينمي الحوار الأفكار ويعمقها، ويشذبها مما يعلق بها من انحراف أو جمود أو شوائب، ويحرك العقل باتجاه الإبداع والتجديد والتحرر، في الحدود التي تفرضها مرجعية الاختلاف .
ولقد خلق الله الإنسان مهيئا للحوار وقادرا عليه إذ علمه الكلام الذي لا يتم حوار لفظي بدونه، وجعل له الحواس التي تمكنه من التواصل مع من يحاوره، ووهبه العقل الذي هو أساس الحوار و معتمده، وميزه بحرية الحوار ليحاور، من شاء بما يشاء، أو لا يحاور؛ وحبب إليه الحوار بان جعله وسيلة لتحقيق أهدافه بتكلفة اقل من نقيضه الصراع والاقتتال.
واقترن مجيء الإنسان إلى هذا الوجود بسلسلة من الحوارات تتيح القول بان مجيئه كان محفوفا ببيئة حوارية. فقبيل خلق الإنسان كان الحوار الإلهي مع الملائكة بخصوص استخلاف الإنسان، وبعيد خلق الإنسان امتد واتسع الحوار الإلهي- ومازال موضوعه الإنسان- ليشمل الإنسان نفسه. ثم كان حوار إبليس والإنسان والذي نسي خلاله الإنسان وصايا الله له بشأن إبليس فدفع ثمن ذلك النسيان، وأعقب ذلك حوار العتاب الذي جرى بين الله والإنسان والذي انتهى- في ما يشكل درسا عظيما في المسألة الحوارية- حيث تاب الإنسان فتاب عليه الله.
ليس الحوار، من منظور الإسلام، ظاهرة دنيوية فقط بل انه يتواصل و يمتد إلى الحياة الأخرى والتي ستشهد حوارات، ربما مباشرة، بين الله و الإنسان ولأول مرة، بين الإنسان وأعضائه، وبين الإنسان والإنسان، وبين أصحاب الجنة وأصحاب النار و… الخ. وقد نقل إلينا الوحي مشاهد معبرة من بعض تلك الحوارات المستقبلية.
والذي يستقرئ مسار الحوار مع الآخر عبر التاريخ البشري يلاحظ انه أصبح البشر اليوم عموما ليس فقط أكثر وعيا بأهمية الحوار وإنما أيضا أكثر تمسكا والتزاما به في التفاعل مع الآخر و حل الخلافات و النزاعات معه وأكثر وعيا بالتكلفة العالية والعواقب الوخيمة للصدام والصراع – خاصة مع التطور المرعب في أسلحة الصراع و الاقتتال – وبالتالي، أكثر نفورا منه. ومن مظاهر تنامي الوعي بأهمية الحوار والتمسك به ورفض الصدام و النفور منه التكاثر الملحوظ للجهات و المنظمات و المؤسسات المحلية والدولية التي تتبنى الحوار وتدعو إليه.
وإن كان الحديث عن قضايا من مثل أهمية الحوار ومفهومه قضايا مهمة ومن المفيد استمرار الحديث عنها إلا أن ما تحقق سلفا من تطور ملحوظ في الوعي بأهمية الحوار والتمسك به يجعل القضية الأوْْلى بالتركيز عليها في المرحلة الحالية هي ترجمة هذا الوعي القائم، على نطاق واسع، بأهمية ولزوم انتهاج الحوار مع الآخر إلى ممارسة واقعية تثمر أمثلة عملية ناجحة تقدم برهانا عمليا على فعالية نهج الحوار مع الآخر على مستوى الواقع،
وليس على المستوى النظري فقط، في حل الخلافات والنزاعات ولذلك نحسب أن من المهم الآن بالنسبة لمؤسسات وجهات دعم نهج الحوار مع الآخر نقل بؤرة تركيزها من عموميات المفاهيم والأهمية إلى خصوصيات الممارسة الناجحة الكفيلة بإثبات الفعالية الواقعية لنهج الحوار وإبراز دوره كبديل عملي فعال، و ليس حلما طوباويا..
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










