تَأَمَّلْتُ مَسَاءَ أَمْسِ شَاهِقًا سِينِمَائِيًّا مِنْ عُيُونِ الكِلَاسِيكِيَّاتِ المِصْرِيَّةِ، وَأَحَدَ أَبْرَزِ أَعْلَامِ المَدْرَسَةِ الوَاقِعِيَّةِ؛ فِيلْمَ «شَبَابِ امْرَأَةٍ» (1956م).
ذَلِكَ الْعَمَلَ الْخَالِدَ الَّذِي صَاغَ رُؤْيَتَهُ الْمُخْرِجُ الْقَدِيرُ صَلَاحُ أَبُو سَيْفٍ، وَتَأَلَّقَ فِي بُطُولَتِهِ الثُّنَائِيُّ الرَّائِعُ تَحِيَّةُ كَارِيُوكَا وَشُكْرِي سَرْحَانَ.
وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْمَرَّةُ هِيَ أُولَى جَوْلَاتِي فِي رِحَابِ هَذَا الْعَالَمِ السِّينِمَائِيِّ، بَلْ أَعَدْتُ مُشَاهَدَتَهُ الْمَرَّةَ تِلْوَ الْمَرَّةِ؛ بَيْدَ أَنَّنِي شَعَرْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِرَغْبَةٍ جَارِفَةٍ، وَتَأْثِيرٍ آخِذٍ، يَدْفَعَانِنِي دَفْعًا إِلَى سَكْبِ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ فِي مَقَالٍ نَقْدِيٍّ.
فَلَا تَسْأَلْنِي عَنِ السَّبَبِ أَيُّهَا الْقَارِئُ الْعَزِيزُ؛ فَمَا زِلْتُ بَحْثًا عَنْ سِرِّ هَذَا السِّحْرِ الدَّفِينِ.
تَتَجَسَّدُ فِي أَبْعَادِ هَذَا الْعَمَلِ السِّينَمَائِيِّ التَّرَاجِيدِيَّةُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي أَبْهَى صُوَرِهَا؛ إِذْ تَدُورُ الْأَحْدَاثُ حَوْلَ «إِمَامٍ»، ذَلِكَ الشَّابِّ الرِّيفِيِّ الَّذِي يَجْمَعُ بَيْنَ السَّذَاجَةِ وَالطُّمُوحِ الْمَشْرُوعِ، حِينَمَا يَرْحَلُ إِلَى الْقَاهِرَةِ لِلِالْتِحَاقِ بِـ«دَارِ الْعُلُومِ».
يَمْشِي إِمَامٌ بَيْنَ أَزِقَّةِ الْعَاصِمَةِ مُثْقَلًا بِأَحْلَامِ أُسْرَتِهِ، وَمُحَمَّلًا بِتَطَلُّعَاتِ أَهْلِ قَرْيَتِهِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ يَوْمَ عَوْدَتِهِ حَامِلًا الشَّهَادَةَ الْعُلْيَا بِافْتِخَارٍ وَتَفَوُّقٍ.
غَيْرَ أَنَّ رِحْلَةَ الْبَحْثِ عَنْ سَكَنٍ بَسِيطٍ تَأْوِي إِلَيْهِ كُتُبُهُ وَأَحْلَامُهُ تُسَاقُ بِقَدَرٍ غَاشِمٍ؛ إِذْ يَقُودُهُ الْمَصِيرُ إِلَى اسْتِئْجَارِ غُرْفَةٍ فِي مَنْزِلِ «شَفَاعَاتِ»؛ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْأَرْمَلَةِ الْمُتَسَلِّطَةِ الشَّدِيدَةِ الْجَاذِبِيَّةِ، الَّتِي تُخْضِعُ الْجَمِيعَ لِسَطْوَتِهَا.
وَهُنَا، تَبْدَأُ الْمَلْحَمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ بَيْنَ بَرَاءَةِ الْقَرْيَةِ وَمَكْرِ الْمَدِينَةِ، حَيْثُ تُصْبِحُ تِلْكَ الْغُرْفَةُ الْبَسِيطَةُ مَسْرَحًا لِصِرَاعٍ مَصِيرِيٍّ يُهَدِّدُ بِاحْتِرَاقِ بَرِيقِ الْأَمَلِ فِي ظِلَالِ الْغَوَايَةِ.
لَمْ تَكُنْ «شَفَاعَاتُ» لِتَدَعَ فَرِيسَتَهَا تَنْجُوَ؛ بَلِ اسْتَغَلَّتْ بَرَاءَةَ «إِمَامٍ» وَعُسْرَ حَالِهِ المَادِيِّ أَبْشَعَ اسْتِغْلَالٍ، فَنَشَرَتْ حَوْلَهُ حَبَائِلَ الغَوَايَةِ بِحِرْفِيَّةٍ خَبِيثَةٍ، حَتَّى أَوْقَعَتْهُ فِي شِرَاكِهَا.
وَفِي لَحَظَاتٍ خَاطِفَةٍ، انْصَهَرَ طُمُوحُ الشَّابِّ المِثَالِيِّ، وَتَحَوَّلَ الطَّالِبُ المُجْتَهِدُ إِلَى أَسِيرٍ مَسْلُوبِ الإِرَادَةِ فِي قَبْضَةِ شَهَوَاتِهَا؛ فَهَجَرَ كُتُبَهُ، وَأَهْمَلَ دِرَاسَتَهُ، وَتَنَكَّرَ لِكُلِّ المَبَادِئِ الَّتِي رَضِعَهَا فِي قَرْيَتِهِ.
وَفِي أَوْجِ اسْتِغْرَاقِهِ فِي هَذَا الْمُنْحَدَرِ الْفَاسِدِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ أَنْفَاسُهُ تَغْرَقُ فِي ظُلُمَاتِ الرَّذِيلَةِ، تَمْتَدُّ إِلَيْهِ يَدُ «عَمِّ حَسْبُو» ذَلِكَ الرَّجُلِ الصَّالِحِ مِنْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ، الَّذِي خَبِرَ شَرَّ «شَفَاعَاتَ» وَعَرَفَ مَكْرَهَا لِيَخُوضَ مَعْرَكَةً بَاسِلَةً حَتَّى يَنْتَشِلَهُ مِنَ الْقَاعِ، وَيُعِيدَهُ إِلَى النُّورِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ.
وَفِي وَسَطِ هَذَا الرُّكَامِ، تَبْرُزُ «سَلْوَى» كَأَيْقُونَةٍ لِلنَّقَاءِ، وَجِسْرٍ مِنَ الْأَمَلِ وَالْجَمَالِ الْعَفِيفِ؛ لِتَتَوَالَى مُحَاوَلَاتُ انْتِشَالِ «إِمَامٍ» وَإِعَادَتِهِ إِلَى مَسَارِهِ الْقَوِيمِ.
وَبِالْفِعْلِ، يَبْدَأُ «إِمَامٌ» فِي الِاسْتِفَاقَةِ تَدْرِيجِيًّا حِينَ يَلْتَمِسُ عُمْقَ الْهَاوِيَةِ الَّتِي سَقَطَ فِيهَا، وَحَجْمَ الْخُسْرَانِ الَّذِي تُوِّجَ بِرُسُوبِهِ الْجَامِعِيِّ، فَيَسْتَجِيرُ بِالتَّوْبَةِ وَيَعْزِمُ الْعَوْدَةَ إِلَى مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ.
غَيْرَ أَنَّ «شَفَاعَاتِ» الَّتِي لَا تَعْرِفُ مَعْنَى الْهَزِيمَةِ تَأْبَى الِاسْتِسْلَامَ؛ فَتَسْعَى لِإِعَادَتِهِ إِلَى حَبَائِلِهَا بِشَتَّى الطُّرُقِ، وَحِينَمَا تَتَحَطَّمُ حِيلَتُهَا أَمَامَ إِصْرَارِهِ، تُشْعِلُ جَذْوَةَ الِانْتِقَامِ فِي قَلْبِهَا لِتَقْضِيَ عَلَيْهِ.
غَيْرَ أَنَّ يَدَ الْأَقْدَارِ، أَوْ بِالْأَحْرَى مَصْنَعَ الْحَبْكَةِ، تَتَدَخَّلُ بَغْتَةً؛ لِتَقَعَ «شَفَاعَاتُ» تَحْتَ حَجَرِ الرَّحَى، وَتُدَاسَ بِأَقْدَامِ الْبِغَالِ حَتَّى الْمَوْتِ، فَيَتَنَفَّسَ «إِمَامٌ» أَخِيرًا نَسِيمَ الْحُرِّيَّةِ، وَيَسْتَعِيدَ زِمَامَ حَيَاتِهِ.
وَهُنَا، لَوْ اسْتَجْوَبْتَ «شَفَاعَاتِ» عَنْ عِلَّةِ هَذِهِ النِّهَايَةِ الفَاجِعَةِ، لَأَجَابَتْكَ بِسُخْرِيَةٍ مُرَّةٍ: إِنَّ صُنَّاعَ المَشْهَدِيَّةِ قَرَّرُوا أَنَّهَا آثِمَةٌ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُسْحَقَ صَغَارًا، وَأَنْ تُدَاسَ بِأَخْفَافِ الدَّوَابِّ؛ لِتَكُونَ عِبْرَةً قَاسِيَةً لِكُلِّ امْرَأَةٍ تُجَسِّرُ نَفْسَهَا عَلَى كَسْرِ القَوَالِبِ وَالتَّمَرُّدِ عَلَى القَوَاعِدِ.
لَكِنَّكَ حِينَ تَسْأَلُ مُسْتَنْكِرًا: “أَيْنَ عِقَابُ “إِمَامٍ”، الشَّرِيكِ الأَصِيلِ فِي الخَطِيئَةِ؟”
سَيَأْتِيكَ الرَّدُّ الْمَعْلُولُ سَرِيعًا: “مَا هُوَ إِلَّا شَابٌّ غِرٌّ، وَضَحِيَّةٌ لِامْرَأَةٍ مَاكِرَةٍ اعْتَصَرَتْ رَحِيقَ شَبَابِهِ!”… وَكَأَنَّ الْجَمِيعَ يَتَغَابَوْنَ عَنْ حَقِيقَةِ أَنَّهُ سَعَى إِلَيْهَا بِطَوْعِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَقَبَضَ ثَمَنَ سُقُوطِهِ: مَالًا، وَوِفَارَةً، وَتَرْفِيهًا، صَنِيعَ كُلِّ مَنِ احْتَرَفَ الْعُهْرَ! بَلْ إِنَّهُ اسْتَمْرَأَ الْعَلَاقَةَ وَاسْتَمْتَعَ بِهَا، وَرَفَضَ الْقَبُولَ بِهَا كَزَوْجَةٍ شَرْعِيَّةٍ رَغْمَ عَرْضِهَا الْمُكَرَّرِ؛ لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهُ لَا يَرَاهَا “أَهْلًا لِلصَّوْنِ” بَعْدَمَا انْحَلَّتْ بَيْنَمَا هُوَ، الْمُقْتَرِفُ لِلْجُرْمِ عَيْنِهِ، يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ الْمُجْتَمَعَ سَيَغْسِلُ أَوْزَارَهُ، وَسَيَهَبُهُ غُفْرَانَهُ الْكَامِلَ، لِيَبْدَأَ حَيَاةً جَدِيدَةً مَعَ «بِنْتِ النَّاسِ» السَّاذَجَةِ الَّتِي لَمْ تُمَارِسِ “التَّجْرِبَةَ” بَعْدُ.
لَمْ تَكُنْ جَرِيمَةُ “شَفَاعَاتَ” الحَقِيقِيَّةُ سِوَى أَنَّهَا أُنْثَى، فَصُدِرَ بِحَقِّهَا الحُكْمُ وَأُدِينَتْ، بَيْنَمَا نَجَا “إِمَامٌ” مِنْ كُلِّ عِقَابٍ؛ لَا لِشَيْءٍ إِلَّا لِأَنَّهُ ذَكَرٌ!
إِنَّهُ يَحْيَى مُحَصَّنًا بِذَكَرِيَّتِهِ؛ فَنَزَوَاتُهُ العَابِرَةُ تُغْتَفَرُ بِسُهُولَةٍ، وَمُغَامَرَاتُهُ الطَّائِشَةُ تُسْتَعَادُ كَذِكْرَيَاتٍ سَعِيدَةٍ يُفْتَخَرُ بِهَا.
أَمَّا هِيَ، فَقَدْ غَدَتْ أُنُوثَتُهَا فِي عَيْنِ المُجْتَمَعِ تُهْمَةً قَائِمَةً، وَأَصْبَحَ جَمَالُهَا جَرِيمَةً لَا تُغْتَفَرُ، وَصَارَتْ رَغْبَتُهَا لَعْنَةً تُطَالِبُ الأَلْسِنَةُ بِرَجْمِهَا.
إِنَّهَا الْمُعَادَلَةُ الظَّالِمَةُ الَّتِي تُقَاسُ بِمِكْيَالَيْنِ؛ حَيْثُ يُتَوَّجُ الرَّجُلُ بِالْعَفْوِ عَلَى خَطَايَاهُ، بَيْنَمَا تُسْحَقُ الْمَرْأَةُ تَحْتَ وَطْأَةِ الْأَحْكَامِ الْقَاسِيَةِ، لِمُجَرَّدِ أَنَّهَا وُلِدَتْ أُنْثَى فِي عَالَمٍ لَا يَغْفِرُ لَهَا كَيَانَهَا.
حَتَّى أُمُّ إِمَامٍ، حِينَ صُدِمَتْ بِحَقِيقَةِ عَلَاقَتِهِ الْآثِمَةِ، لَمْ تَرْمِهِ بِكَلِمَةِ تَوْبِيخٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ صَبَّتْ جَامَ لَوْمِهَا عَلَى (شَفَاعَاتَ) قَائِلَةً بِاسْتِنْكَارٍ: “حَرَامٌ عَلَيْكِ، إِمَامٍ صَغِيرٌ فِي عُمْرِ أَبْنَائِكِ” وَكَأَنَّ شَرِيعَةَ الْمُجْتَمَعِ قَدْ سَنَّتْ قَانُونًا خَافِيًا يُعْفِي الرَّجُلَ مِنَ الْوِزْرِ وَيُلْقِي بِكُؤُوسِ الْخَطِيئَةِ كُلِّهَا فِي رَحْلِ الْمَرْأَةِ.
وَلَمْ تَقِفِ الدَّهْشَةُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ؛ بَلْ إِنَّ قَرِيبَهُ الَّذِي كَانَ عَلَى دِرَايَةٍ تَامَّةٍ بِانْحِرَافِ سُلُوكِهِ لَمْ يُفَكِّرْ حَتَّى فِي مُحَاسَبَتِهِ، بَلْ كَافَأَهُ بِأَنْ زَفَّ إِلَيْهِ ابْنَتَهُ الْجَمِيلَةَ (شَادِيَةَ)؛ لِيُكَرِّسَ بِذَلِكَ وَاقِعًا مُؤْلِمًا يُغَضُّ فِيهِ الطَّرْفُ عَنْ زَلَّاتِ ذُكُورِهِ، وَتُدْفَعُ فِيهِ الْعَذَارَى قُرْبَانًا لِلتَّسَتُّرِ وَالتَّجَاهُلِ.
لَمْ يَكُنْ (إِمَامٌ) مُجَرَّدَ شَابٍّ ضَلَّ الطَّرِيقَ؛ بَلْ كَانَ نَمُوذَجًا لِلْمُتَفَكِّكِ أَخْلَاقِيًّا الَّذِي يَعِيشُ عَالَةً عَلَى نَفَقَةِ (شَفَاعَاتَ) — وَكَمَا صَرَّحَ (الجَرْسُونُ) بِبَسَاطَةٍ فَاضِحَةٍ: “الحِسَابُ دَفَعَتْهُ السِّتُّ” — وَمَعَ ذَلِكَ، قَابَلَ الجُمْهُورُ هَذِهِ الدَّنَاءَةَ بِالضَّحِكِ، وَلَمْ تَلْتَصِقْ بِوَجْهِهِ أَيُّ وَصْمَةِ عَارٍ.
وَلَمْ يَقِفِ العَبَثُ عِنْدَ هَذَا الحَدِّ؛ بَلْ إِنَّ صُنَّاعَ الفِيلْمِ مَنَحُوهُ ثَرْوَةَ المَرْأَةِ كُلَّهَا عَبْرَ حِيلَةٍ دَرَامِيَّةٍ لَئِيمَةٍ، حِينَ جَعَلُوهُ يَتَزَوَّجُهَا قَبْلَ مَوْتِهَا بِسَاعَةٍ وَاحِدَةٍ؛ لِتَبْدُوَ الثَّرْوَةُ وَكَأَنَّهَا “مُكَافَأَةُ نِهَايَةِ الخِدْمَةِ” لَكِنْ لُمِّعَتْ فِي ظَاهِرٍ شَرِيعِيٍّ.
هَكَذَا انْصَاعَتِ السِّينِمَا الْمِصْرِيَّةُ فِي هَذَا الْمَشْهَدِ لِسَطْوَةِ الْعُرْفِ الذَّكَرِيِّ الَّذِي يَرْجُمُ الْمَرْأَةَ بِالْإِدَانَةِ حَتَّى الْمَوْتِ، فِي حِينِ يَمْنَحُ الرَّجُلَ غُفْرَانًا مُطْلَقًا عَنْ كُلِّ خَطَايَاهُ، بَلْ وَيُكَافِئُهُ عَلَى خِسَّتِهِ.
وَتَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَى ذَلِكَ جَلِيًّا عِنْدَمَا يَتَزَوَّجُ كَهْلٌ بِفَتَاةٍ فِي عُمْرِ الزُّهُورِ، يَهْتِفُ النَّاسُ “هَذِهِ حَقُّهُ الْمَشْرُوعُ”.
أَمَّا حِينَ تَجْرُؤُ امْرَأَةٌ عَلَى الاِقْتِرَانِ بِشَابٍّ، فَتُنْهَالُ عَلَيْهَا سِهَامُ الاِتِّهَامِ: “مُتَصَابِيَةٌ، مُنْحَلَّةٌ، خَالِيَةٌ مِنَ الْحَيَاءِ”
لَقَدْ تَوَرَّطَتِ السِّينِمَا عَبْرَ تَارِيخِهَا فِي تَكْرِيسِ هَذِهِ المَعَايِيرِ المُزْدَوِجَةِ الشَّنِيعَةِ، وَأَسْهَمَتْ بِجَلَاءٍ فِي تَرْسِيخِ أُكْثُورَةٍ ظَالِمَةٍ تَجْعَلُ مِنَ الْمَرْأَةِ جَذْرَ كُلِّ شَرٍّ وَيَنْبُوعَ الْإِغْوَاءِ، بَيْنَمَا تُصَوِّرُ الرَّجُلَ فَرِيسَةً مَغْدُورًا بِهَا، أَوْ بَطَلًا يُحْتَفَى بِفُتُوَّاتِهِ وَمُغَامَرَاتِهِ.
لَمْ تَكُنْ شَخْصِيَّةُ (حَسْبُو) سِوَى مُجَسَّمٍ حَيٍّ لِتَنَاقُضَاتِ الْمُجْتَمَعِ ذَاتِهِ؛ فَهُوَ الْمَلْطُوخُ بِالرَّذِيلَةِ، السِّكِّيرُ الْفَاسِقُ، الَّذِي نَصَّبَ نَفْسَهُ قَاضِيًا أَخْلَاقِيًّا؛ يَجْلِدُ (شَفَاعَاتَ) بِسَوْطِ لِسَانِهِ، وَيُهَيِّجُ الرَّأْيَ الْعَامَّ ضِدَّهَا، وَيُهْرِقُ كَرَامَتَهَا، فِي حِينِ يَتَصَوَّرُ شَهْوَتَهُ الْمَكْبُوتَةَ نَحْوَهَا فِي الْخَفَاءِ، وَفِي لَحْظَةِ الذُّرْوَةِ، يَسْلُبُهَا حَيَاتَهَا وَكَأَنَّهُ الْمَوْكُولُ بِتَنْفِيذِ “عَدَالَةِ السَّمَاءِ”.
غَيْرَ أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْأَشَدَّ إِيلَامًا وَمَرَارَةً هِيَ أَنَّ (حَسْبُو) لَمْ يَكُنِ الْقَاتِلَ الْمُنْفَرِدَ؛ بَلْ كَانَ مُجَرَّدَ أَدَاةٍ فِي يَدِ مُجْتَمَعٍ كَامِلٍ خَاطِئٍ، قَرَّرَ عَنْ عَمَدٍ أَنْ يَغْسِلَ أَيْدِيَ الرِّجَالِ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ وَزَلَّةٍ، بَيْنَمَا يَنْصِبُ الْمَقَاصِلَ لِلْمَرْأَةِ وَيُعْدِمُهَا عِنْدَ أَوَّلِ عَبْثَةٍ أَوْ خَطِيئَةٍ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)










