إن صراع النص والصورة ما بين تحدي التلقي والجماهيرية المحوران الأكثر سخونة في السجال النقدي الذي رافق مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي منذ تأسيسه، وقد شكلا مادة لجدل فكري واسع بين النقاد المصريين والعرب:
أولاً: إشكالية “صراع النص والصورة” (سلطة الكلمة ضد هيمنة السينوغرافيا)
انقسم المشهد النقدي العربي حول هذه الإشكالية إلى تيارين رئيسيين:
1- التيار المدافع عن النص (الرافض للتفريغ المعرفي):
تزعم هذا التيار نقاد كبار (مثل د. علي الراعي، ود. علي الراعي ود. عبد القادر القط في مراحل، إلى جانب عدد من الكلاسيكيين)الذين رأوا أن المبالغة في تغليب الصورة، والإضاءة، والأداء الحركي القاسي على حساب “النص المكتوب” أدت إلى تحويل المسرح إلى مجرد “استعراض بصري سيركي” تفقد فيه القضية الإنسانية والسياسية عمقها الفكري.
وذلك لأن المسرح العربي قام تاريخياً على الكلمة والموقف الفكري والمحاورة الجدلية، وتغييب النص لصالح التشكيل السينوغرافي المجرد يُعد استيراداً لشكليات غربية تُفرغ العرض من محتواه الاجتماعي.
- التيار المدافع عن “شعرية الصورة” (السينوغرافيا كدراماتورجيا):
قاد هذا الاتجاه نقاد طليعيون وباحثون (مثل د. نهاد صليحة، ود. حسن عطية، ود. سامح مهران)، إذ يرون أن المسرح ليس مجرد “أدب يُلقى على الخشبة”، بل هو فن بصري فضائي قائم بذاته، وذلك لأن الضوء، والجسد، والحركة، والكتلة، ليست عناصر مساعدة للنص، بل هي “لغة مسرحية قائمة بذاتها” لها سيميولوجيتها( علاماتها) وقدرتها على توليد معانٍ وتأويلات ( هرمنيوطيقيا)أعمق وأشمل مما تقوله الكلمات المباشرة.
ثانياً: إشكالية التلقي والجماهيرية (النخبوية والتغريب)
طرح النقاد سؤالاً جوهرياً: الذين كان يشغلهم الجمهور متسائلين لمن يُقدَّم المسرح التجريبي؟ وتباينت المقاربات النقدية كالتالي: - نقد “النخبوية والعزلة”:
رأى فريق من النقاد أن اعتراف العروض بالرمزية المفرطة، والعبث، وتفكيك البناء الخطي للأحداث، خلق جداراً بين المسرح الشارع العربي، إذ يرون أن التجريب أحدث “قطيعة مع المتفرج العادي” الذي يدفع قيمة التذكرة ليبحث عن حكاية، أو إمتاع، أو قضية ملموسة، ليجد نفسه أمام أشكال هلامية تحتاج إلى “كتالوج” أو قراءة سيميوطيقية معقدة لفك شفراتها. - نقد “تغيير مفهوم المتفرج” (التلقي الإيجابي):
دافع نقاد آخرون عن هذه التجربة باعتبارها إعادة تربية وتحديث للذائقة البصرية للمتفرج العربي.، إذ يرون أن التجريب لم يأتِ ليرضي “المتفرج الكسول” الذي ينتظر التلقين والإجابات الجاهزة، بل ليصنع “متفرجاً مشاركاً وصانعاً للمعنى”؛ يعيد ترتيب العلامات البصرية على الخشبة ويشارك في تأويل العرض بناءً على ثقافته ووعيه.
كيف حاول المسرحيون العرب حل هذه الإشكالية؟
أدرك المبدعون العرب خطورة الانفصال عن الجمهور وتهميش النص كلياً، فظهرت أشكال تجريبية وازن بين الطرفين:
التجريب عبر التراث: (كما في تجارب الطيب الصديقي وسعد الله ونوس وسمير العصفوري)، حيث تم استخدام الصورة والسينوغرافيا الحديثة، ولكن لخدمة نصوص وحكايات نابعة من الموروث الشعبي والحكواتي، مما حافظ على النص والتواصل الجماهيري في آن واحد.
مسرح الفضاء المفتوح والجرن: (كما في تجربة أحمد إسماعيل ومصطفى سعد)، حيث كُسرت نخبوية التجريب بنقله إلى الجمهور في الشارع والقرية، وجعل الفلاح والمواطن البسيط شريكاً في كتابة النص وصناعة الصورة.
تأثير المسرح التجريبي على حركة الكتابة والمسرحة (الدراماتورجيا) الحديثة في مصر
أدت الفجوة التي أحدثتها المسرح التجريبي بين سلطة النص وهيمنة الصورة إلى ظهور “الدراماتورجيا الحديثة، وتغير طبيعة ووظيفة “الكاتب المسرحي”.
وقد تجلت تأثيرات هذه المعارك النقدية على حركة الكتابة والمسرحة في المحاور التالية: - التحول من “المؤلف الكاتب” إلى “الدراماتورج المعالج”
تراجع “النص المغلق”: أدرك الكتاب والمسرحيون الجدد أن النص المدون في كتب لم يعد صالحاً للفرض على المخرج كدستور صارم لا يُمَس.
ظهور النص المفتوح/العرض: برز دور “الدراماتورج” الذي لا يكتفي بكتابة الحوار، بل يكتب بـ “عين السينوغرافي”؛ فيضع النص كعنصر مجرد يُبنى ويتغير في الصالة أثناء البروفات بالاشتراك مع المخرج والممثلين، متقبلاً التعديل، والحذف، والاضافة الحركية.
2- اعتماد تقنيات “التفكيك والإعادة
أصبحت الكتابة المسرحية تعتمد على إعادة قراءة النصوص – بصفة عامة والكلاسيكية بصفة خاصة – وتفكيكها؛ باختيار الخطوط العريضة الصالحة للراهن، وإعادة صياغتها عبر تقنيات:
المونتاج النصي: تجميع مقاطع من عدة نصوص، قصائد، وأخبار صحفية، وصياغتها في كولاج درامي واحد.
البناء غير الخطي: تدمير التتابع الزمني التقليدي (بداية، عقدة، نهاية) لصالح مشاهد متجاورات أو حركات متتابعة تشبه الشريط السينمائي. - بروز “مسرح الورشة” والتأليف الجماعي
بحثا عن لغة حية قريبة من الناس، نشطت حركة “مسرح الورشة”: إذ يقوم الفريق بكتابة النص عبر الارتجال، حكايات الممثلين الذاتية، وملاحظة حوارات الشارع اليومية، ما أدى هذا إلى ولادة “لغة مسرحية جديدة” حية وشابة، تعتمد على التكثيف، والسرعة، والابتعاد عن الفصحى الخطابية المعقدة لصالح لغة يومية ذكية وشاعرة بصرية. - التوليف بين الكلمة والجسد
لم تعد الكتابة المسرحية تراهن على الحوار الطويل والشرح (الإفصاح الشفهي)، بل أصبحت تترك المساحة للـ “الصمت”، والـ “حركة”، والإيقاع الموسيقي.
أصبح الكاتب يضع في اعتباره أن “الفضاء المسرحي” والقطع الديكورية والأجساد تعبر عن نصف المعنى، في حين تأتي الكلمة لتكثيف النصف الآخر دون تكرار أو فائض لغوي.:
وهكذا أنتجت هذه التحولات جيلاً جديداً من الدراماتورج والمؤلفين المصريين والعرب يعاملون “الكلمة” كـ عنصر ضمن منظومة بصرية وسيميوطيقية متكاملة؛ حيث نجحوا في إعادة الهيبة للقصة والموقف الإنساني دون السقوط في المباشرة والجمود الأرسطي القديم.
اتجاهات الممارسة الإخراجية في العروض المسرحية بصفة عامة بين الشكل والمضمون( جماليات الصورة وعمق الفكرة)
ثلاثة اتجاهات رئيسية تعكس واقع الممارسة الإخراجية والدراماتورجية الحالية:
1- اتجاه “السينوغرافيا المهيمنة” (انحياز للصورة على حساب العمق)
يرى جانب كبير من النقاد أن النسبة الأكبر من عروض الشباب والفرق الجديدة ما زالت تعاني من “الشكلانية المفرطة”؛ حيث يتم استهلاك طاقات هائلة في الديكورات الضخمة، والإضاءات التشكيلية المجهدة، والرقص المعاصر، والوسائط الرقمية لإنتاج عرض مبهر بصرياً وسريع الإيقاع) لكن على حساب البناء الدرامي وقضية العرض، غير عابئ بتعزيز درجة تلقي الجمهور تاركا إياه بعد انتهاء العرض بعاطفة باردة وبلا أسئلة فكرية أو وجودية عميقة، كنتيجة للاستسهال في إعداد “النص العرض” والاعتماد على الارتجال غير الممنهج بدلاً من البناء الدراماتورجي الصارم.
2- اتجاه الحفاظ على النص (انحياز للكلمة على حساب الشكل)
داخل بعض مسارح الدولة والمؤسسات الكلاسيكية، والتي حاولت استعادة الجمهور العريض عبر الانحياز الكامل للنص والتسلية أو الخطابة المباشرة، وذلك بالاعتماد على نصوص كلاسيكية أو حوارات طويلة ومباشرة، مع استخدام ديكورات تقليدية مجسمة وتقنيات إخراجية قديمة، ولكنها للأسف كانت على حساب التضحية بالثورة البصرية والسيميوطيقية التي أحدثها التجريب، مما يجعل العرض يبدو متأخراً عن الذائقة البصرية الحديثة للمشاهد المعتاد على إيقاع الميديا والسينما.
3- تجارب العروض الذهبية القليلة جدا إذ تتجلى فيها توازن الشكل والمضمون (شعرية الصورة وعمق القضية) والتي تتوافر فيها :
الدراماتورجيا الواعية: عدم الاستغناء عن الكلمة، بل تكثيفها وتطهيرها من الفائض اللغوي، لتصبح الكلمة مقفلة ودقيقة كالسهم، بينما تقوم السينوغرافيا (الضوء، الحركة، الفضاء) بفتح الآفاق التأويلية والوجدانية.
الجسد الحامل للمعنى: التعامل مع أجساد الممثلين ليس كأدوات استعراضية أو استهلاك حركي مجرد، بل كـ “علامات سيميوطيقية” تشف عن القهر، الخوف، أو الصراع الإنساني.
استلهام الهوية بتشكيل معاصر: توظيف الحكاية الشعبية أو القضية الاجتماعية المعاصرة داخل فضاء سينوغرافي طليعي يخدم الفكرة ولا يبتلعها.
وللخروج من هذا المأزق لابد أن يتحقق للعروض المسرحية “التناغم والتوازن النظري والتطبيقي” بين عمق الفكرة وجماليات الصورة تصنع بالفعل القيمة الحقيقية للمسرح المعاصر كي تعيش في ذاكرة النقد والجمهور.










