حينما أتيتُ للدراسة في القاهرة مطلع تسعينيات القرن الماضي، كنتُ أحملُ معي هدوء “البادية” وسمتَ أهلنا في “جنوب الصعيد”. كانت القاهرة بالنسبة لي عالماً يضج بالحركة، وأكثر ما كان يثير استغرابي ودهشتي في آنٍ واحد، هو ذلك الزحام العجيب والمستمر حول “عربة الفول”. كنتُ أقفُ بعيداً وأتساءل: “ما الذي يدفع كل هؤلاء الناس للوقوف هكذا في مطلع الصباح؟”.
لم أكن معتاداً على هذا النمط من الإفطار، فالحياة في الجنوب لها طقوسها المختلفة. ولكن، حدثت نقطة التحول حين أخذ بيدي أحد الزملاء، وأصرّ أن نتناول إفطارنا على عربة الفول. كانت تلك هي المرة الأولى، ولم أكن أدري أنها ستكون بداية “إدمان” جميل سيستمر لعقود.
مع أول لقمة، اكتشفتُ سر الصنعة. أدركتُ لماذا يلتفُّ المصريون حول هذه العربة كأنها مركز الأرض؛ فالفول والطعمية ليسا مجرد وجبة سريعة، بل هما “خرسانة المعدة” الحقيقية. إنه الإفطار الذي يثبت في البطن طويلاً، يمنحك القوة والصلابة لمواجهة يوم قاهري شاق، تماماً كما تفعل الخرسانة في أساسات البيوت.
وعندما نصلني الفجر، نذهب أنا والأصدقاء إلى وجهتنا المعتادة، حيث يضع لنا “ناصر” في الصباح الفول والطعمية والبيض والبصل الأخضر؛ تلك المائدة التي تجمعنا على المودة قبل أن تفرقنا مشاغل الحياة.
منذ ذلك اليوم، ومنذ أكثر من 36 عاماً، أصبح الفول والطعمية وكومة البصل التي تزين المائدة طقساً مقدساً في صباحي. صرتُ خبيراً بشوارع المحروسة من أجل “اللقمة الهنية”؛ عرفتُ أجمل مطاعم الفول في “وسط البلد” وأزقتها العتيقة، وحفظتُ أماكن التميز في “مدينة نصر”، حتى صرتُ دليلاً للأصدقاء والزملاء، أرشدهم إلى الأماكن التي تقدم الفول بأصله وسره.
لقد تغلغل هذا الطعام في كياني، ولدرجة أنني أقول للأصدقاء دائماً بصدقٍ ومحبة: “لقد أصبح الفول يجري في عروقي بدل الدم”. رحلة بدأت من استغراب ابن البادية، وانتهت بعشقٍ أبدي لـ “مسمار البطن” الذي لا يكتمل الصباح بدونه.










