لم يعد “نزيف الأسفلت” حادثاً عابراً، بل صار قدراً محتوماً، وقضاءً مبرماً، ومصيراً نستقبله كل صباح، ونودعه كل مساء.
من الذي يئن تحت وطأة العجلات؟ إنه الإنسان… يهلكه طيشٌ، ويدمره إهمالٌ، ويقتله استهتارٌ.
ها هو النقل الثقيل يجول بلا رادع، وها هي مركبات الأجرة تعيث بلا زاجر، والسرعة بلا سقف، والمخدر بلا خوف، والقانون بلا هيبة.
فبين رعونة سائق، وتخاذل مسؤول، وتراخي قانون، تُهدَر الأرواح، وتُداس الكرامات، وتُدفن الآمال تحت عجلات اللامبالاة.
إلى متى سيظل النقل الثقيل بجميع أنواعه وسيارات الأجرة تمرح على الطرق السريعة وغير السريعة بشكل همجى غير عابئة ولا مهتمة بقوانين ولا تعليمات ولا بتوقيت السير ولا السرعة المحددة ولا الحمولة المقدرة لها..إلى متى ستظل الأيدى مرتعشة فى معاقبة هؤلاء القتلى؟. حوادث الطرق ستستمر ولن تنتهى وبات نزيف الدماء لا ينقطع طالما استمر سائقوا المركبات فوق النقد والمساءلة والعقاب.
تشير آخر الإحصائيات الرسمية إلى أن مصر تسجل سنوياً ما يقارب ١٠ آلاف حادث مروري، يسفر عن أكثر من ٧ آلاف مصاب، ونحو ٣ آلاف قتيل.
وخلال العقد الأخير تجاوزت الخسائر ٦٠ ألف قتيل، و٣٠٠ ألف مصاب بعاهات مستديمة، بخسائر اقتصادية قُدرت بأكثر من ٢٩ مليار جنيه سنوياً. يستنزف نزيف الطرق عالميا نحو ٥٢٠ مليار دولار سنوياً، تتحمل الدول النامية منها ما بين ٧٠ إلى ١٠٠ مليار دولار، رغم أنها لا تملك إلا ٢٠% من أسطول العالم.
فيا للعجب… ضحايا الحروب بالآلاف، وضحايا الإرهاب بالمئات، أما ضحايا الطرق فيتجاوزون المليون قتيل سنوياً. فأي الحروب أشد فتكاً؟
أن حوادث الطرق لم تعد مجرد حوادث..إنها إرهاب صامت فالمحصلة واحدة : قتلى وجرحى وأرامل وأيتام. لقد صارت الكارثة المرورية هاجس المجتمع وقلقة، تستنزف الموارد وتستبيح البشر، وتدمر الاقتصاد، وتترك خلفها خرابا اجتماعيا ونفسيا لا يجبر. بتنا نألف الجثث، واعتدنا الدماء، فلا ترتجف الأبدان، ولم نجد بعد دواء لهذا الداء، ولا سدا لهذا النزيف الذى يحصد الأرواح كل ساعة.
فمن الجاني؟
الجاني هو العنصر البشرى..هو من يسوق مخموراً، ويقود مخدراً، ويهمل صيانة، ويعبث بهاتف، ويضغط وقوداً، ويسابق الموت بجسد مخدر.
إنها معادلة الموت: تهورٌ + مخالفةٌ + غفلةٌ + غياب محاسبة= كارثةٌ محققة.
فصار الطريق ساحة قتال، والأسفلت مثوى أحزان، والعبور مجازفة، والوصول منحة.
سيناريو يتكرر… ووجع يتجدد
حادثٌ… دفنٌ… عزاءٌ… تعويضٌ… علاجٌ على نفقة الدولة… لقطةٌ تسليم شقة… رحلة عمرة…نسيانٌ… والعودة لحياتنا الطبيعية. كأن الدم رخيص، وكأن الأرواح أرقام فى بيان، وكأن الفجيعة اعتياد.
والحل ليس في تشديد العقوبة بالحبس فحسب، بل في ردعٍ يُرهب وقانونٍ يُحاسب:
١. مضاعفة الغرامات المالية، وسحب الرخص وإيقافها لكل مستهتر.
٢. فحص فني دوري إلزامي، لا مجاملة فيه ولا تهاون.
٣. ترخيص مزاولة لمهنة صيانة السيارات، مع إحياء التعليم الفني واجتثاث “صبية الورش”.
٤. إصلاح الطرق، وتأمين التقاطعات، وإزالة المطبات العشوائية.
٥. توظيف التكنولوجيا في المراقبة والضبط، لا الاكتفاء بالرادارٍ الذى صار معروف أماكنه.
٦. تقنين التوك توك، وتكثيف الحملات، وغرس ثقافة المرور في النشء.
فلا حياة بلا أمن، ولا أمن بلا قانون، ولا قانون بلا تطبيق، ولا تطبيق بلا إرادة صلبة.
والخلاصة
لن يبرأ نزيف الأسفلت بعبارات العزاء، ولا بصور التعويض، ولا بدموع الثكالى.
سيبرأ فقط حين نُقدس الحياة ونحترم القانون، حين يصير القانون سيفاً باتراً، ويداً لا ترتعش، وعينا لا تنام، وحين ندرك أن كل روح تزهق على الطريق هى وطن كامل ينهار.
فإلى متى نُحصي القتلى؟ وإلى متى ننعى الضحايا؟ وإلى متى نلطم الخدود ..بدل أن نصلح العيوب؟
وإلى متى نصمت؟… والقبر يحفر كل يوم على الأسفلت.










