طوال عمري أتردد في الذهاب إلى الأطباء ، اللهم إذا تفاقم الأمر وأصبح حتمياً لامفر منه ، زاد اليوم إحساسي هذا كثيراً ، رغم أن أطباء زمان كانوا على درجة عالية من الانسانية والعلم والمهنية والقناعة والتجرد والتقشف !!.
كان الطبيب يعرف عِلة مريضه بمجرد دخوله عليه ، فراسة ، موهبة ؛ فالطب فيه نسبة لابأس بها من الموهبة ، مثل لاعب الكرة والرسام والشاعر ، مُجرد رؤية وجه المريض يعرف مابه من مرض وشكوي !!.
اليوم تحوّل الطبيب إلى قارئ تقارير وتحاليل وأشعات ، تدفع الفيزيا الساخنة أكثر من سخونة يوليو وأغسطس ، ثم لايسمعك الطبيب ولا يسألك ولا ينشغل بك ، أمامه دفتر جاهز باسم معمل التحاليل الذي يتعامل معه مقابل عمولة ، أو تمتلكه زوجة ابنه أو حماته ، فيملأ عدة صفحات ثم ينزعها ويسلمها لك ، ويطلب منك العودة إليه بعد إجراء تلك التحاليل في هذا المعمل بالذات !!.
أين الطب هنا ، أين العلم ، أين الموهبة والحرفية ، لا أدري !!.
ثم ، وتلك أم الكوارث ، وجود وانتشار الجامعات الخاصة والأهلية ، ثمانين في المائة تدخل كلية الطب أم فلوس كتير ، أوتمتحن أمام ( لجان الأكابر ) ، والتي تتسرب إليها الامتحانات وإجاباتها ، وتحصل على مائة وعشرة في المائة ، وتدخل طب الحكومة المجاني أبو بلاش !!.
لقد راعني وأزعجني ، وزلزل ماتبقى لديّ من يقين ، ماجري في لجنة مدرسة فاقوس الثانوية هذا العام ، وماحدث قبل ذلك في كلية طب قنا جامعة جنوب الوادي ، وطب الأسنان ، وطب أسيوط ؛ في الصف الأول ، فهل تعلم يامؤمن أنه ٧٠ ٪ من الطلاب رسبوا في التيرم الأول في طب قنا ، و٨٠ ٪ في طب الأسنان ، و٦٠ ٪ في طب أسيوط ، وقال العميد بأن هؤلاء الطلاب لا يعرفون كتابة الأرقام ، ولا الإملاء ، وأنهم يكتبون الأرقام بالشقلوب جهلاً !!.
إذن هؤلاء الطلاب لم يتعلموا أصلاً ، ولم تُمح أميتهم ، فكيف وصلوا إلى الثانوية العامة ، ثم نجحوا بتفوّق والتحقوا بكلية طب حكومية ، كيف ياناس !!.
هؤلاء هم الذين يعطون أدوية بالخطأ تودي بحياة المرضى ، وهم الذين ينسون الفوطة في بطن المريض بعد الجراحة ، وهم وكلاء عزرائيل !!.
واللهِ ، لو أن هذا العار في بلد آخر لانقلبت الدنيا ، واستقال وزير التعليم ، وظل البرلمان في جلسة مفتوحة للوقوف على أبعاد تلك الكارثة والفضيحة الوطنية !!.
عفواً يا صديقي ، لقد عزمت منذ اليوم ألا اذهب إلى الطبيب ، أي طبيب ، مهما اشتد البلاء واستطال المرض ، وسأعالج نفسي بالجنزبيل والحلبة والينسون واللبان الدكر ، وعندما يحين وقت الرحيل ، لن يوقفه طبيب ولا دواء ولا علاج !!.
صدقني ياصديقي ، الظلام حالك ، والفوضى ظلام ، والفساد ظلام ، وعبيط من يسير في الظلام ، ثم يتخيّل أنه سينجو من ارتطام رأسه في عامود ، أو حائط ، أوينكفئ على وجهه في حفرة أو بلاعة !!.










