فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي.
ليس من المبالغة القول إن أخطر ما شهدته مصر في مواسم الامتحانات الأخيرة ليس حالات الغش في حد ذاتها، وإنما اعتياد المجتمع على الحديث عنها بوصفها أمرًا متكررًا، حتى أصبح النجاح عند البعض يقترن بالقدرة على التحايل أكثر مما يقترن بالاجتهاد، وهنا يكمن الخطر الحقيقي، لأن الأمم لا تنهار عندما تنتشر المخالفات، وإنما عندما تفقد حساسيتها تجاهها.
وما يحدث في لجان الامتحانات ليس قضية تخص وزارة التربية والتعليم وحدها، بل هو قضية أمن قومي، لأن المدرسة هي المصنع الأول الذي تُصاغ فيه شخصية المواطن، وتُغرس فيه قيم الانضباط والنزاهة واحترام القانون، فإذا تخرج الطالب مقتنعًا بأن الغش طريق مشروع لتحقيق النجاح، فمن الصعب أن نطالبه لاحقًا بالنزاهة في الوظيفة أو الأمانة في المسؤولية أو احترام القانون في الحياة العامة.
فخامة الرئيس…
لقد خاضت الدولة المصرية معارك كبيرة لحماية حدودها، ومواجهة الارهاب، وبناء اقتصاد أكثر صلابة، وإقامة بنية تحتية حديثة، غير أن معركة بناء الانسان تظل هي المعركة الحاسمة، لأنها الضمان الحقيقي لاستدامة كل تلك الانجازات، فالدولة التي تمتلك الطرق والمصانع والمدن الذكية، لكنها تفقد منظومتها التعليمية، إنما تبني حاضرًا بلا مستقبل.
ومن هنا فإنني أرى أن الوقت قد حان لاطلاق مشروع قومي شامل يعيد هيكلة التعليم المصري على أساس نظام تعليمي وطني موحد، تتوحد فيه المعايير الأساسية للمناهج والتقييم، ويُصان فيه مبدأ تكافؤ الفرص، ويُرسخ الانتماء الوطني، مع الاستفادة من أفضل الممارسات التعليمية الحديثة دون المساس بالهوية الوطنية.
وتعدد أنماط التعليم قد يكون مقبولًا من حيث وسائل التدريس أو اللغات أو الأنشطة، لكنه لا ينبغي أن يؤدي إلى تعدد في معايير الجودة أو العدالة أو فرص الالتحاق بالتعليم الجامعي، فالدولة الواحدة يجب أن يكون لها مرجع تعليمي واحد، يصنع مواطنًا واحدًا في الانتماء، متساويًا في الفرص، مختلفًا فقط في قدراته واجتهاده.
ولذلك فإن معالجة ظاهرة الغش يجب ألا تقتصر على الاجراءات الأمنية أو العقوبات القانونية، رغم أهميتها، وإنما تبدأ بإعادة الاعتبار للمدرسة، وتطوير إعداد المعلم، وبناء نظام تقييم يقيس الفهم والابداع لا الحفظ، ويغلق المنافذ التي تدفع بعض الطلاب إلى البحث عن وسائل غير مشروعة.
فخامة الرئيس…
لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي تصدرت مؤشرات التنمية لم تحقق ذلك إلا بعد أن جعلت التعليم مشروعًا وطنيًا تتبناه الدولة والمجتمع معًا، ولم يكن النجاح نتيجة زيادة الانفاق وحدها، وإنما نتيجة وضوح الرؤية، وثبات السياسات، والالتزام بمعايير الجودة والعدالة.
ومصر اليوم تمتلك الفرصة التاريخية لتأسيس النموذج التعليمي الجديد الذى يواكب الجمهورية الجديدة، ويجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الهوية الوطنية والانفتاح على العالم، وبين التكنولوجيا والقيم، بحيث يصبح التعليم أداة لبناء الانسان، لا مجرد وسيلة للحصول على شهادة.
وأحسب أن اللحظة الراهنة تستدعي تشكيل مجلس وطني أعلى لاصلاح التعليم، يضم الخبراء والمتخصصين، وتكون مهمته وضع الاستراتيجية المستقرة لعقود مقبلة، بعيدة عن تغير الحكومات أو تبدل المسؤولين، لأن التعليم لا يحتمل الحلول المؤقتة، ولا يقبل السياسات المتغيرة.
فخامة الرئيس.
إن بناء الانسان المصري هو أعظم مشروع يمكن أن تتبناه الدولة، وإن حماية الامتحان من الغش هي في جوهرها حماية لقيمة العدالة، وصيانة لمبدأ تكافؤ الفرص، وترسيخ لثقافة الاستحقاق، وما أحوج مصر اليوم إلى نظام تعليمي وطني موحد، يعيد الثقة إلى الأسرة المصرية، ويمنح الطالب اليقين بأن مستقبله لا تصنعه الوساطة ولا الغش، وإنما يصنعه العلم والعمل والاجتهاد.
حفظ الله مصر، وحفظ أبناءها، ووفق قيادتها إلى ما فيه خير الوطن ومستقبله.
استاذ العلوم السياسية









