رفعت مصر سقف طموحاتها في مجال الطاقة المتجددة، وإن كان نظريا على أقل تقدير. إذ تستهدف الحكومة حاليا وصول نسبة الطاقة المتجددة إلى 45% من إجمالي مزيج الكهرباء بحلول عام 2028، وهوما يتجاوز التزامها الدولي الحالي.
يبدو أن هذا التحول جاء سريعا؛ لأن المستهدف الجديد يزيد بثلاث نقاط مئوية ويسبق بعامين المستهدف الحالي للبلاد ضمن المساهمات المحددة وطنيا، البالغ 42% بحلول 2030. فقد أشارت وزارة الكهرباء في 15 فبراير 2026 إلى أن نجاحها في تنفيذ مستهدف الطاقة المتجددة “قبل المواعيد المحددة لها وفقا للجدول الزمني”، وفق ما ورد في بيان رئاسي. كانت المرة الأولى التي يظهر فيها إطار عمل مستهدف الـ 45% بحلول 2030، خلال اجتماع عُقد في 21 أبريل 2026 بين وزير الكهرباء محمود عصمت والمدير الإقليمي لشركة سكاتك محمد عامر، وذلك قبل أن يتأكد رسميا هذا الهدف على المستوى الرئاسي عندما استعرضه الرئيس عبد الفتاح السيسي مع رئيس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير الكهرباء في مايو 2026.
لكن المستهدف القديم ونظيره الجديد لم يُوفَق بينهما بعد:
تمثل نسبة الـ 45% بحلول عام 2028 أحد أهداف استراتيجية الطاقة المحلية التي حددتها وزارة الكهرباء، وليس التزاما أمام الأمم المتحدة. ولا تحتاج مصر إلى إعادة تقديم مساهماتها المحددة وطنيا للسعي نحو تحقيقه؛ إذ يسير الهدفان في مسارين منفصلين ولكل منهما وزن قانوني مختلف. لكن الحكومة لم تنشر حتى الآن استراتيجية محدثة للطاقة، ولم توضح كيفية ربط المستهدف الجديد الأكثر طموحا بالتزامها الرسمي الحالي على المستوى الدولي.
عدد الميجاوات المعلن لا يعني بالضرورة أنه سيكون حصة مماثلة من إنتاج الكهرباء. تصف الوزارة نسبة الـ 45% بأنها حصة من مزيج الكهرباء، لكن المسار الذي استعرضه عصمت أمام مجلس الوزراء في 8 يوليو يعتمد كليا على القدرات المركبة من الطاقة المتجددة.
تقيس القدرات المركبة أقصى كمية من الطاقة الكهربائية يمكن لمحطات التوليد إنتاجها إذا عملت بطاقتها القصوى. بينما تقيس حصة التوليد ما يصل فعليا إلى الشبكة على مدار العام، بعد خصم فترات التوقف، والتأثيرات الجوية، وخفض الإنتاج. ويمكن للحكومة أن تحقق هدفها المتعلق بالقدرات المركبة في الموعد المحدد، ومع ذلك تفشل في تحقيق هدفها المتعلق بحصة التوليد إذا لم تعمل المحطات بالوتيرة المفترضة.
القاعدة الحالية كبيرة بالفعل:
تبلغ القدرات الحالية المركبة من الطاقة المتجددة 9.5 جيجاوات، منها نحو 3 جيجاوات من الطاقة الكهرومائية، و3.5 جيجاوات من الطاقة الشمسية، و3 جيجاوات من طاقة الرياح. وتضيف أنظمة تخزين البطاريات 500 ميجاوات/ساعة إضافية.
وتتسارع وتيرة إضافة القدرات الجديدة عاما بعد عام:
بنهاية 2026: تبلغ القدرة المركبة 11.2 جيجاوات (بإضافة 1.7 جيجاوات، معظمها من الطاقة الشمسية).
بنهاية 2027: تبلغ القدرة المركبة 16.8 جيجاوات (بإضافة 5.6 جيجاوات).
بنهاية 2028: تبلغ القدرة المركبة 27.7 جيجاوات (بإضافة نحو 11 جيجاوات).
وتمثل الزيادة المستهدفة في عام 2028 نحو ضعف الزيادة المخطط لها في العام السابق له، مما سيتطلب من المشاريع التي لم تصل بعد إلى مرحلة الإغلاق المالي أو بدء الإنشاءات أن تمضي قدما في خطوات التمويل، والمشتريات، والربط بالشبكة، وبدء التشغيل خلال تلك المدة الوجيزة.
ولم تنشر الوزارة حتى الآن الأرقام التي قد تحسم المسألة؛ فلم تعلن عن حجم الإنتاج السنوي المتوقع لإجمالي الأسطول البالغ 27.7 جيجاوات، أو عوامل القدرة المفترضة، أو الخفض المتوقع لإنتاج الطاقة، أو حتى التوقعات الخاصة بإجمالي توليد الكهرباء في عام 2028. وهذه الفجوة تشكل أمرا هاما.
تستهدف الموازنة التخطيطية للشركة القابضة لكهرباء مصر للعام المالي 2027/2026 وصول إجمالي توليد الكهرباء إلى 263 تيراوات في الساعة. ومن أجل تحقيق مستهدف الـ 45% من الطاقة المتجددة، ستحتاج البلاد إلى توليد 118 تيراوات في الساعة من الطاقة المتجددة. ويمثل هذا الرقم نقطة مرجعية، وليس توقعات لعام 2028، إذ سيختلف حجم الطلب الفعلي خلال ذلك العام.
ثمة محفظة قوية من المشروعات التي تتقدم على أرض الواقع، لكن لم يُحسم تنفيذ بعضها بعد. إذ بدأت سكاتك التشغيل التجاري للمرحلة الأولى من محطة أوبليسك في 23 فبراير 2026، في حين يتوقع أن يصل مشروعها إنرجي قالي بقدرة 1.95 جيجاوات إلى الإغلاق المالي بحلول النصف الثاني من 2026. كما وصل مشروع طاقة الرياح بخليج السويس، البالغة قدرته 1.1 جيجاوات والتابع لشركتي أكوا باور وحسن علام للمرافق، إلى الإغلاق المالي في يناير 2025، وهو قيد الإنشاء حاليا، ويستهدف بدء الوصول إلى التشغيل التجاري الكامل بحلول الربع الثاني من 2027. وفي 24 مارس هذا العام، وقع تحالف ثلاثي يضم شركة أيولوس، وإنجي الفرنسية، وأوراسكوم كونستراكشون اتفاقية مدتها 25 عاما لشراء 900 ميجاوات من الطاقة المتجددة من مزرعة رياح بالقرب من رأس شقير؛ ومن المقرر بدء تشغيل المرحلة الأولى منها بقدرة 300 ميجاوات في ديسمبر 2027، وسيبدأ التشغيل التجاري الكامل في منتصف 2028.
فضلا عن أن شبكة الكهرباء لديها إطارها الزمني الخاص، لكنه ليس في 2028. يقدم الاتحاد الأوروبي 690 مليون يورو لتحديث شبكة نقل الكهرباء القومية ودمج قدرات جديدة من الطاقة المتجددة تصل إلى 22 جيجاوات في الشبكة القومية بحلول عام 2030. وستستخدم الشركة المصرية لنقل الكهرباء هذا التمويل لإنشاء محطات محولات جديدة وخطوط نقل جهد عالي لنقل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من البحر الأحمر وخليج السويس إلى الشبكة القومية، على أن يغطي تمويل الاتحاد الأوروبي 44% من إجمالي تكلفة البرنامج، في حين تمول الشركة المصرية لنقل الكهرباء الجزء المتبقي.
الجهود الجادة لا تعني حتمية النجاح. تمثل هذه التمويلات تحركا فعليا نحو تحديث الشبكة القومية، لكن جدولها الزمني لا يؤكد بالضرورة أن جميع أعمال التطوير اللازمة لتحقيق المستهدف ستُنجز بحلول ذلك الموعد. وتجدر الإشارة إلى أن المرحلة التي يدعمها بنك الاستثمار الأوروبي بتمويلات بقيمة 600 مليون يورو ستُنفذ خلال الفترة من 2027 إلى 2030، إذ ستضطلع الحكومة بدور المقترض من خلال البنك المركزي المصري.
ولا يجيب بيان المخاطر المالية المتعلقة بالتغيرات المناخية في مصر عن التساؤلات الخاصة بالشبكة القومية أيضا. فهذا البيان يرصد حجم المخاطر المالية المناخية على الأصول الحكومية ومشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بما في ذلك 13 مشروعا للطاقة المتجددة بنظام البناء والتملك والتشغيل مدعومة باتفاقيات شراء طاقة حكومية، ويصنف مخاطر المناخ على مشاريع الشراكة إجمالا بأنها “منخفضة وقابلة للاحتواء”. لكن هذه ليست دراسة حول سعة استيعاب الشبكة، ولا توضح بشكل مباشر حجم التوليد المتغير الذي يمكن لمنظومة النقل استيعابه.
ماذا عن الربط الكهربائي؟
تتبادل مصر الكهرباء بالفعل من خلال خطوط الربط مع ليبيا والسودان والأردن. وقد تخلّف خط الربط البالغة قدرته 3 جيجاوات مع السعودية عن عدة مواعيد معلنة للتشغيل، وكان آخرها التأجيل حتى نهاية عام 2026 بعدما صرحت وزارة الكهرباء في فبراير الماضي أن العمليات ستبدأ “خلال الأسابيع المقبلة”. غير أن خطوط الربط الكهربائي لن تفيد في هذا السياق؛ فهي تساعد في الموازنة بين العرض والطلب وتوفر أسواقا للفائض من الكهرباء، لكنها لا تولد الطاقة في حد ذاتها.
رأينا: أصبح مستهدف الـ 45% بحلول 2028 الآن بمثابة سياسة محلية رسمية. وقد نشرت الحكومة مسارا مفصلا للقدرات المستهدفة وجمعت محفظة فعلية من مشاريع التوليد وتطوير شبكة النقل لدعم هذا المستهدف. ولكن ما لم نره هو حلقة الوصل بين هذين المسارين؛ فبدون توقعات لحجم الطلب في 2028، لا يمكن تحويل الزيادات الحكومية المستهدفة بالميجاوات إلى حصة مؤكدة من الإنتاج السنوي. وربما تنجح مصر بالفعل في تحقيق أعداد الميجاوات المستهدفة في موعدها المحدد، لكن ترجمة هذه القدرات فعليا إلى حصة تبلغ 45% من إجمالي الكهرباء المولدة بحلول 2028 تظل مرهونة بعوامل لم تنشر الحكومة حتى الآن الأرقام اللازمة لتقييمها.










