الأربعاء , 21 أكتوبر 2026

حسام بدراوي يكتب.. المسئولية ألأخلاقية عن الفعل.. تأملات في الجينات والتكليف ‏

كلما تقدم العلم، ازداد اقتناعي بأن أكثر الأسئلة تعقيدًا ليست علمية، بل فلسفية.‏

فالعلم يجيب عن سؤال: كيف؟

أما الفلسفة فتسأل: لماذا؟

وبين السؤالين تقف الأخلاق، محاولةً أن تجيب عن سؤال ثالث: كيف ينبغي أن نعيش؟

ولعل من أكثر القضايا التي كشفت هذا التداخل، ذلك الاكتشاف المتزايد بأن الإنسان لا يبدأ ‏حياته صفحةً بيضاء، كما كنا نظن. إنه يولد حاملًا تاريخًا طويلًا مكتوبًا داخل كل خلية من ‏خلاياه؛ ليس تاريخ أسرته فقط، بل تاريخ ملايين السنين من التطور البيولوجي. يولد بجينات ‏لا تحدد لون عينيه وطول قامته فحسب، بل قد تؤثر أيضًا في سرعة انفعاله، وقابليته للقلق، ‏واستجابته للخوف، ودرجة اندفاعه، بل وحتى بعض ميوله السلوكية.‏

وهنا يبدأ السؤال الذي لا يخص عالم الوراثة وحده، بل يخص كل إنسان:‏

إذا كانت بعض ميولنا تسبق وعينا بها، فما الذي يجعلنا مسؤولين أخلاقيًا عن أفعالنا؟

هذا السؤال لا يتعلق بالمثلية الجنسية وحدها، ولا بالعنف، ولا بالإدمان، ولا بأي سلوك بعينه. ‏إنه سؤال يمس جوهر معنى الإنسان.‏

عبر التاريخ، اعتدنا أن ننظر إلى الإنسان باعتباره صاحب إرادة حرة كاملة، وأن نحاسبه على ‏أفعاله باعتبارها اختيارات مستقلة. لكن العلم بدأ يكشف أن الصورة أكثر تعقيدًا.‏

فقد يحمل شخص استعدادًا وراثيًا أعلى للاندفاع، أو قابلية أكبر للاكتئاب، أو حساسية عصبية ‏تجعله أكثر عرضة للإدمان، أو ميولًا نفسية لم يختر وجودها.‏

وهنا يظهر إغراء فكري خطير.فإذا كانت الجينات تؤثر في السلوك‎…‎فهل تصبح الجينات ‏عذرًا؟

وهل يتحول العلم من تفسير للسلوك إلى تبرير له؟

الإجابة، في رأيي، لا.‏

لأن هناك فرقًا جوهريًا بين التفسير والتبرير.أن نفهم لماذا يحدث شيء، لا يعني أننا أصدرنا ‏حكمًا أخلاقيًا عليه.فالطبيب يفسر المرض، لكنه لا يمنحه قيمة أخلاقية.وعالم الوراثة يفسر ‏الميل، لكنه لا يحكم على الفعل.‏

وهنا وقفت طويلًا أمام نهاية سورة البقرة، لا باعتبارها تفسيرًا علميًا، فالقرآن ليس كتابًا في ‏البيولوجيا، ولكن باعتبارها نصًا يطرح تصورًا بالغ العمق للمسؤولية الإنسانية.‏

‏﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾‏

هذه الآية كثيرًا ما تُقرأ باعتبارها دعوة إلى الطمأنينة، لكنني أراها أيضًا تحمل تصورًا فلسفيًا ‏بالغ الدقة عن العلاقة بين القدرة والمسؤولية.‏

فالآية لا تبدأ بالحساب بل تبدأ بالوسع وكأن التكليف نفسه مرتبط بما يستطيع الإنسان احتماله.‏

لكن‎…‎ما هو “الوسع‎”‎؟هل هو القوة الجسدية فقط؟أم يشمل التكوين العصبي؟والقدرة النفسية؟

والاستعدادات الفطرية؟ والظروف التي لم يخترها الإنسان؟ لا أزعم أن الآية تقول ذلك ‏صراحة.‏

لكنها تفتح باب السؤال.‏

واليوم، بعد أن أصبحنا نعرف أن البشر لا يولدون بدرجات متساوية من الحساسية أو الاندفاع ‏أو مقاومة الإغراء، يبدو سؤال “الوسع‎” ‎أكثر عمقًا مما كان عليه قبل قرون.‏

ثم تأتي العبارة التالية:﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ولعل الفرق بين الفعلين يستحق ‏التأمل.‏

فالإنسان لا يُحاسب على ما وُلد به بل على ما إكتسبه كأن هناك تمييزًا خفيًا بين المعطى ‏والمكتسب.‏

بين ما جاء مع الإنسان إلى الحياة‎…‎وما صنعه الإنسان داخل حياته.‏

نحن لا نختار جيناتنا ولا نختار آباءنا ولا أوطاننا ولا كثيرًا من طباعنا الأولى لكننا، مع ‏الزمن، نختار كيف نتعامل مع كل ذلك وربما تبدأ الأخلاق من هنا.‏

ثم يعلّمنا القرآن أن ندعو: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ وكأن النص نفسه يفرق بين ‏القصد والخطأ وبين الإرادة الكاملة، وحدود الطبيعة البشرية.‏

ثم يكمل: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ إنها عبارة تستوقفني دائمًا فالطاقة نفسها تصبح ‏جزءًا من معادلة المسؤولية ليست كل النفوس سواء وليست كل القدرات سواء وليست كل ‏المعارك الداخلية متشابهة وربما لهذا كان العدل الإلهي أعمق من العدالة البشرية.‏

فالقانون يحاكم الفعل أما الله، فهو وحده الذي يعلم مساحة الصراع الذي سبق الفعل.‏

انني أرى أن العلم والدين لا يتعارضان كما نتصور العلم يقول:“هذه هي طبيعة الإنسان.‏‎”‎

أما الدين فيسأل:“وماذا ستفعل بهذه الطبيعة؟‎”‎العلم يفسر الإمكانات والأخلاق توجه الاختيارات ‏والدين يمنح الاختيار معنى ولا يستطيع أي واحد منها أن يلغي الآخر.‏

أخشى أحيانًا أن نقع في أحد تطرفين إما أن نحول الإنسان إلى آلة بيولوجية لا تملك إلا أن ‏تنفذ ما كتبته الجينات أو نحوله إلى كائن حر حرية مطلقة، كأنه لم يولد يومًا بجسد، ولا ‏بتاريخ، ولا بتركيب عصبي، ولا بظروف والحقيقة، كما هي العادة، أكثر تواضعًا وأكثر ‏تعقيدًا.‏

فالإنسان ليس سجين جيناته وليس متحررًا منها تمامًا ..إنه يعيش في المسافة بين الاثنين وفي ‏تلك المسافة تحديدًا تولد الأخلاق وربما لهذا لا أرى السؤال الحقيقي هو:‏

هل الإنسان حر؟

بل: كم تبلغ مساحة الحرية التي يمتلكها كل إنسان داخل حدود ما وُلد به؟

فقد لا يكون العدل الإلهي قائمًا على مساواة البشر في قدراتهم، بل على مساواتهم في ‏المسؤولية داخل حدود تلك القدرات وهذا تصور، إن صح، يفتح أمامنا بابًا جديدًا لفهم ‏التكليف، وفهم الرحمة، وفهم العدالة.‏

‏ الحكمة، هي أن ندرك أن الله لم يخلقنا نسخًا متطابقة، ولم يكلفنا تكليفًا أعمى.‏

لقد منح كل واحد منا إمكاناته، ثم ترك له مساحة ليصنع بها نفسه.‏

ربما لا يكون العدل الإلهي قائمًا على مساواة البشر في قدراتهم، بل على أن يُحاسَب كل ‏إنسان بما يتناسب مع ما أُعطي من قدرة، وما بلغه من وعي، وما امتلكه من حرية داخل ‏ظروفه الخاصة.‏

القاضي لا يستطيع أن يفعل ذلك لأنه لا يرى إلا الفعل.‏

أما الله‎…‎فيرى الجين والطفولة والخوف والنية والمقاومة والإغراءوعدد المرات التي قاوم ‏فيها الإنسان نفسه وهذا يجعل الحساب الإلهي مختلفًا جذريًا عن أي عدالة بشرية.‏

شاهد أيضاً

جمال المتولى جمعة يكتب.. من يملك حق اختيار رئيس مصر ؟

فى ظل تصاعد النقاش حول اعداد وتأهيل شخصيات لتولى المناصب القيادية فى الدولة وصولا الى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *